الأربعاء، 12 فبراير 2020

الفشل في الدولة: قراءة تاريخية لتجربة المسلمين عبر العصور

في البدء، ماذا نعني بـ نظام الحكم؟ هل السؤال بسيط أم مبهم؟ لنتمكن من الإجابة بـ "نعم" أو "لا"، يجب أولاً تحديد المقصود بنظام الحكم.

ثانيًا، إن كنت تقصد اختيار الحاكم، فالإجابة القطعية هي: لا. ولماذا؟ علينا النظر إلى التاريخ الإسلامي بعناية، ومن خلال المصادر الإسلامية نفسها، وبعين الباحث الفاحص والمحايد.

حين انتقل محمد صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، حدث اختلاف بين المهاجرين والأنصار (صحابة رسول الله) كما ورد في كتب التراث الإسلامي. فكان عمر بن الخطاب يقول لأبي بكر الصديق: "أبسط يدك نبايعك"، فبايعه الناس، بينما لم يبايعه بعضهم، وكان أبرزهم سعد بن عبادة زعيم الخزرج. هذه كانت طريقة أولى.

وعندما انتقل أبو بكر، أوصى بالخلافة لعمر بن الخطاب، أي أن كلامه سيكون نافذًا طالما قام بالتوصية، وهذه كانت طريقة ثانية.

وعند وفاة عمر بن الخطاب، أوصى بستة من الصحابة لاختيار الخليفة بينهم، فاختاروا عثمان بن عفان، وكانت هذه طريقة ثالثة.

وعند وفاة عثمان بن عفان، حدثت الفتنة المعروفة، وذهب الناس لعلي بن أبي طالب وطلبوا منه تولي أمر المسلمين، وكانت هذه طريقة رابعة.

بعدها ظهرت الطريقة الخامسة، وهي المُلْك والتوريث المباشر، حيث يورث الملك لأبناء الحاكم، ولا يخرج الحاكم من بيت الأسرة الحاكمة.

من ذلك نستنتج أنه لم تكن هناك طريقة واحدة وواضحة لاختيار الخليفة أو الحاكم، وبالتالي يمكن القول إن مقياس الحكم القرآني هو العدل. فالعدل هو المعيار، دون الالتفات لنوع النظام، سواء كان جمهورياً، ملكياً، أهلياً، برلمانياً، أو انتخابياً مباشراً.

من وجهة نظري، الانتخابات المباشرة أفضل وأصح الطرق في هذا العصر لأسباب عديدة لا يسع المجال لذكرها هنا.

على جانب آخر، وبعد سنوات من البحث والتأمل، أرى أن المشكلة تكمن في المنهج نفسه وليس في التطبيق، كما يروج البعض. كثيرون يتفقون مع هذا الرأي، فقد تساءلت دائمًا: كيف لمنهج أن يفشل الناس في تطبيقه لأكثر من 1400 عام؟ وكل من يخطئ يقولون: "لا يمثل المنهج الصحيح!"، دون أن يوضح أحد ما هو المنهج الصحيح فعليًا.

ثم يستشهدون بكتب التراث الإسلامي والمرويات قائلين: "من اجتهد وأصاب له أجران، ومن أخطأ له أجر"، وهذا يتعارض مع المبدأ القرآني بأن مثقال الذرة يحاسب عليه الإنسان خيرًا أو شرًا، ومع صحيح الأحاديث أيضًا.

ومن الغريب أن جماعات مثل داعش ارتكبت أخطاء فادحة، فهل يُكافأون؟ وهل كل من يقلدهم يُحسب له أجر؟

الأوائل ربما لم يختلفوا كثيرًا في الدين، لكنهم اختلفوا في إدارة الدولة والحكم. وهذا ما حدث فعلاً بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم، على الرغم من تحذيره الواضح والصريح: "لا تعودوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم أعناق بعض".

تاريخ الخلافة الراشدة يوضح أن الخلاف كان في منهج الدولة وإدارتها، وليس في الدين، وكيفية تحقيق العدل ورفع قيمة الإنسان. إدارة الدولة ليست مثل إدارة سبيل أو نزل أو حتى دور العبادة.

كمثال، في معركة صفين، كان الجميع يصلي خلف علي بن أبي طالب، ولكن بعد انتهاء الصلاة، عاد الطرفان للقتال! وهنا يتساءل القارئ: هل الصلاة أهم من حياة الناس؟ يبدو أن القتل عادي، والصلاة "خط أحمر"!

من كل ذلك، يجب على المسلمين الوقوف والتأمل: لماذا فشلوا في بناء الدولة؟ وما هي الدولة أصلاً؟ وإلا سيستمرون قرونًا طويلة في الدوران في نفس المكان. والحقيقة أن تكلفة الفشل كانت باهظة جدًا.

والنظر إلى حال ما تسمى بالدول الإسلامية اليوم، نجدها من أسوأ الدول في كل شيء، ولا عجب، فنحن في نفس المنوال منذ أكثر من 1400 عام.

هناك تعليقان (2):