إن قصف المعدّنين في منطقة شمال الوادي داخل الأراضي السودانية، وما تردد عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، يضعنا أمام مأساة إنسانية تستوجب تحقيقاً مستقلاً. فاستهداف المدنيين العزّل جريمة لا يمكن تبريرها بالمبررات العسكرية أو السياسية، ويجب كشف حقيقة ما حدث ومحاسبة المسؤولين.
إن طريقة تنفيذ القصف، إذا ثبت استهداف تجمعات المعدّنين بالطيران، تثير أسئلة خطيرة حول التناسب والتمييز بين المدنيين والمقاتلين. وحتى إذا كان بعضهم داخل الأراضي المصرية، فإن ذلك لا يمنح أحداً حق قتلهم دون محاكمة؛ فالمخالفات تُعالج بالقانون، لا بالقصف والعقاب الجماعي.
وفي المقابل، فإن مقتل سائقي شاحنات مصريين وإصابة آخر في الخرطوم، وفق الأنباء المتداولة، جريمة تستحق الإدانة والتحقيق أيضاً. وإذا ثبت تورط أحد أفراد القوات المشتركة، فيجب محاسبته وفق القانون. فالعدالة لا تتجزأ، ولا يصبح دم الضحايا مباحاً بسبب جنسياتهم أو هوية مرتكبي الجريمة.
أما ما يسمى بالجيش السوداني، فإن صمته أو ضعف موقفه، إن تأكد، يثير تساؤلات مشروعة عن أولوياته. فمنذ الاستقلال، ظلت علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة والثورات الشعبية موضع جدل وصراع. والمطلوب اليوم موقف واضح يحمي السودانيين، ويدافع عن السيادة، ويرفض الاعتداءات الخارجية دون ازدواجية أو انتقائية.
لقد انشغل الجيش، في محطات عديدة، بالصراع على الحكم وبناء النفوذ العسكري، بينما دفع المواطنون أثمان الحروب والانقلابات. ولذلك، فإن انتظار موقف حاسم منه تجاه اعتداءات الخارج قد يطول. لكن هذا لا يعفينا من المطالبة بموقف رسمي مسؤول، وتحقيق شفاف، وإجراءات تحمي المدنيين والأراضي السودانية.
أما تبريرات بعض البلابسة والكيزان بأن المعدّنين كانوا داخل الأراضي المصرية، وأن معظمهم ينتمون إلى دول غرب إفريقيا، فلا تحسم القضية. فالجنسية والموقع الجغرافي لا يلغيان الحق في الحياة والمحاكمة العادلة. وإذا ارتكب أحدهم مخالفة، فالمحاسبة القانونية هي الطريق الصحيح، لا القتل خارج القضاء.
يجب ألا نسمح للغضب بأن يتحول إلى كراهية بين الشعبين السوداني والمصري، أو إلى استهداف للأبرياء بسبب جنسيتهم. فالشعوب ليست مسؤولة عن قرارات الحكومات والجيوش، كما أن المواطن البسيط لا ينبغي أن يدفع ثمن صراعات السلطة. المطلوب إدانة واضحة لكل اعتداء، أياً كان مرتكبه.
إن الموقف العادل هو المطالبة بتحقيق مستقل يكشف ملابسات القصف والخسائر البشرية، والتحقيق في مقتل السائقين المصريين، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، دون حماية أو انتقام. لا للقتل خارج القانون، ولا لسياسة الإفلات من العقاب، ولا للفتنة بين الشعبين؛ فالعدالة وحدها تحفظ الحقوق وتصون الكرامة والسيادة.





