الخرطوم وضربة البداية
مَن لم يَزُرْ مِصرَ فكأنَّه لم يَزُرِ الدُّنيا!"، ومثل آخر يؤكد على هذه الفكرة: "مَن لم يَزُرِ الإسكندرية فكأنَّه لم يَزُرْ مِصرَ أصلًا". بين هذين المثلين تبدأ حكايتي، وتتشكل فصول تلك الرحلة الرائعة، والتي كانت تجربة فريدة ومستحقة حقًا.
لذلك، قرّرتُ أن أخوض رحلةً شيّقة من الخرطوم بالسودان حتى عروس البحر الأبيض المتوسط، الإسكندرية، مارًّا بمناطق وقرى ومدن سودانية ومصرية، في مغامرةٍ تمزج بين المتعة والمعرفة وتفيض بالذكريات والمعلومات.
في يوم الثلاثاء الموافق 13 يوليو 2010م، وفي شارع الجمهورية الحيوي المشهور باتجاهه الواحد من الغرب إلى الشرق بالعاصمة السودانية الخرطوم، حصلت على تأشيرة دخول إلى جمهورية مصر العربية مدتها ستة أشهر متعددة السفرات من قبل القنصلية المصرية.
شعرت بسعادة غامرة حين حصلت على هذه التأشيرة التي أعتبرها ثمينة جدًا بالنسبة لي، رغم أنها بلا رسوم تقريبًا وتستغرق حوالي ثلاثة أيام فقط، وإن رغبت بالحصول عليها فورًا فيمكنك دفع رسوم إضافية لذلك.
كانت سعادتي بسبب مفارقتي للسودان لأول مرة في حياتي، فقد كنت أحاول السفر والخروج من السودان منذ تسعينيات القرن الماضي، بدءاً ببرنامج اللوتري، وتحديداً منذ العام 1999م، أو عن طريق تأشيرات الشنغن الأوروبية منذ عام 2005، ولم أترك أي شيء للصدفة لأسافر خارج السودان.
لقد سلكت كل السبل الممكنة، لكن النجاح لم يكن من نصيبي، وربما كان هذا الإخفاق بداية لتحقيق شيء عظيم في المستقبل. ومع ذلك، لم أيأس، فما زلت عازمًا على الوصول إلى غايتي. لقد قدمت طلبات إلى عدة سفارات أوروبية، من اليونان وإسبانيا والنمسا وإيطاليا وغيرها، ولكن دون جدوى.
كل ما أريده هو الوصول إلى إحدى هذه الدول الأربع: الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، بريطانيا العظمى، أو أستراليا، حيث يجد الإنسان فيها تقديرًا لإنسانيته، ويستفيد من مستوى المعيشة المرتفع، وجودة الحياة المتطورة، وسهولة اللغة الإنجليزية، وجوازات السفر المرموقة، والتعليم المتقدم، وقوة هذه الدول في جميع المجالات، وفرص العمل الوفيرة. بينما تبقى الدول العربية وبقية دول العالم الثالث مجرد محطات عبور، مع كامل احترامي لها.
عود إلى ما بدأناه، فقد كانت زيارتي لمصر تهدف إلى البحث عن فرصة للسفر إلى دول العالم الأول بعد محاولات عدة في السودان. كما رغبت في استكشاف هذا البلد التاريخي الذي يمنحك شعورًا بأنك عشت جميع العصور، من فجر التاريخ وحتى العصر الحديث، مع فرصة ملاحظة التشابه الكبير بين شعوب وادي النيل في العادات والتقاليد. لقد كانت رحلة سياحية ومغامرة حياتية لا تُنسى.
حين حصلت على تأشيرة مصر، اخترت أن أسلك الطريق البري الدولي المسمى (شريان الشمال) لأصل إلى وادي حلفا. كان هدفي من هذه الرحلة هو مشاهدة القرى النوبية الممتدة على الضفة الشرقية لنهر النيل العظيم، حتى لو كانت النظرة من بعيد.
كما أردت زيارة مدينة وادي حلفا الجميلة والتاريخية في أقصى شمال السودان، ولأستمتع بالسفر على طول بحيرة النوبة (بحيرة ناصر). كانت أقصى قرية زرتها شمالًا في منطقة المحس هي قرية كجبار، رمز الصمود النوبي، وذلك في تسعينيات القرن الماضي.
أنهيت في الخرطوم الجزء الأكبر من المتطلبات اللازمة للحصول على تأشيرة الدخول إلى مصر. كانت عملية روتينية ومضنية، حيث تطلبت مني وثائق مختلفة مثل بطاقة الحمى الصفراء، وتأشيرة الخروج، وبطاقة إنهاء الخدمة الوطنية.
بعد ذلك، حجزت تذكرة سفر إلى مدينة وادي حلفا، وأذكر أنني سافرت عبر سفريات وبصات "أبو خليل" الشهيرة، التي كانت تنشط بين الخرطوم ومدن وقرى شمال السودان.
تحركنا من منطقة السجانة بالخرطوم قبيل أذان الفجر، متجهين نحو مدينة الخرطوم بحري لأخذ بعض الركاب، ثم واصلنا طريقنا عبر أم درمان، حيث سلكنا طريق شريان الشمال.
كان طريق شريان الشمال من أم درمان إلى وادي حلفا رحلة طويلة تزدان بمحطات متتابعة؛ مررنا بسوق ليبيا والقولدير وأبو ضلوع، ثم عبرنا الدبة ودنقلا والسليم، وواصلنا السير عبر القرى النوبية الأخرى مثل: فريق وكدرمة ودلقو وسعدنفنتي وأبو صارة وعبري، حتى انتهت بنا الرحلة في وادي حلفا على ضفاف النيل.
داخل وادي حلفا
مع دنوّ المساء، حط بنا البص في مدينة وادي حلفا، وكان الوقت يقارب الرابعة عصرًا. توقفنا في السوق الشعبي، بعد أن قطعنا مسافة طويلة تصل إلى نحو 930 كيلومترًا من الخرطوم.
هناك التقيت بأحد معارفي من قرية سعدنفنتي بالمحس، إذ كنت قد نسقت معه مسبقًا عن طريق ابنه المقيم قربنا في حي الحلة الجديدة بالخرطوم، لأقيم عنده في وادي حلفا لبعض الوقت. ولحسن الحظ، كان يعمل في السوق نفسه، وهو ما سهل عليّ الوصول إليه.
مكثتُ في منزله العامر في بلوك (1)، قرابة أربعة أيام إن لم تخني الذاكرة. وله مني كل التحايا والتقدير والثناء على كرمه الحاتمي وصدره الرحب مع شخصي المتواضع، فالكلمات وحدها لا تفيه حقه.
خلال إقامتي الرائعة معه، أنهيت بعض الإجراءات الروتينية الضرورية التي تسبق السفر إلى مصر، بمساعدة ابنه الآخر، قبل الإبحار عبر ميناء وادي حلفا النهري.
قبل موعد الرحلة إلى أسوان، 'أرض الذهب'، أُخبرنا بأن نصل إلى الميناء مبكرًا بأربع ساعات على الأقل، لإتمام كافة الإجراءات الروتينية التي تسبق صعود العبارة.
ذهبت مبكرًا بواسطة عربة الركشة، حتى لا أضع نفسي في مواقف حرجة. ذُهلت عند رؤية المبنى، فلم أتمكن من تمييزه جيدًا؛ هل هو مبنى لميناء نهري حيوي أم سجن للمعتقلين في دولة ديكتاتورية؟
وما يغيظ أكثر هو البطء الشديد في الإجراءات، وقلة المبادرة في تقديم النصائح والخدمات للمسافرين، كأنهم مجبرون على ذلك العمل، ولا تدفع رواتبهم على الإطلاق.
وعلاوة على كل ذلك، تُصرف أموال هائلة بلا أي مبرر، ومع ذلك تفهمت الأمر، فالفساد والرشاوى متفشية بشدة في كل مستويات الدولة، من رئيسها وحتى أدنى موظف.
صبرت على كل ذلك ودفعت بعض الأموال الجانبية، فالأمر حتمي ولا بد منه، فهدفي الأول والأخير هو مغادرة ذلك الميناء البائس والفقير والمتدهور جدًا، والوصول إلى العبارة المنتظرة في المرسى المخصص لها ببحيرة النوبة.
بعد اكتمال كافة إجراءات السفر المملة، أمرنا المسؤولون بالصعود إلى حافلة قديمة وبالية، يبدو أن عمرها يزيد على ثلاثين عامًا على أقل تقدير، وكانت وسيلة المواصلات الرسمية لنقل المسافرين من مبنى الإجراءات إلى المرسى المخصص للعبارة وبالعكس.
ركبنا تلك العربة المتهالكة على مضض، وبعد دقائق قليلة وصلنا إلى المرسى. ثم سمحوا لنا بالدخول إلى العبارة التي اسمها 'ساق النعام'، والتي أظن أن عمرها يتجاوز الخمسين عامًا. كنت هناك منذ الساعة الثانية عشر ظهرًا.
قال لي أحد المسافرين معنا، وهو رجل طاعن في السن، إن عمر هذه العبارة أكبر من عمر السد العالي نفسه! على أي حال، لم يكن هذا بحاجة إلى أي شرح من ذلك الرجل الهرم، كما يقول المثل الشعبي: «الجواب باين من عنوانه».
لفت نظري وجود مراكب متوسطة الحجم قرب مرسى وادي حلفا، جميعها مخصصة لنقل البضائع بين مصر والسودان، ويعرفها البحارة وأهل المنطقة باسم «السنابك»، وجمعها «سنبك».
كان علينا أن ننتظر داخل العبارة حتى حلول المساء، موعد انطلاقها المحدد. تتحرك العبارة ببطء شديد فوق مياه بحيرة النوبة الصناعية، التي تقع في الجانب السوداني من بحيرة ناصر. تواصل العبارة رحلتها الطويلة نحو الشمال، وتستغرق عدة ساعات حتى تصل إلى وجهتها.
بحيرة النوبة (بحيرة ناصر)
تتحركت العبارة بثقل ووداعة من ميناء وادي حلفا في تمام الساعة الخامسة مساءً من يوم الأربعاء، 21 يوليو 2010م. كانت رحلة داخلها أشبه برحلة عبر خريطة السودان، حيث التقى ركاب من جميع أرجاء البلاد، من حلفا في الشمال إلى نمولي في الجنوب (قبل إنفصال جنوب السودان)، ومن سواكن في الشرق إلى زالنجي في الغرب.
في الرحلة وجدت تنوعًا في ركاب العبارة؛ فبعضهم كان يجرب السفر لأول مرة كما أفعل، وآخرون من التجار والطلاب والسياح، وغيرهم قصدوا زيارة أقاربهم، أو كانوا في بداية حياتهم الزوجية لقضاء شهر العسل، فيما رغب آخرون في السفر عبر مصر نحو وجهات بعيدة حول العالم.
إلى جانب الركاب السودانيين، ضمت العبارة عدداً كبيراً من المصريين، معظمهم من العمال العائدين من السودان لزيارة أقاربهم. كما تواجدت جنسيات أفريقية متنوعة، منها: تشاديون، نيجيريون، ليبيون، وإثيوبيون، وإريتريون، وصوماليون.
ازدحمت العبارة بالركاب والحقائب، وبالبضائع والفواكه والخضروات ومواد البناء، وغيرها من الأشياء. كنت قد حجزت مسبقًا في الدرجة العادية، فالعبارة تحتوي على عدة درجات أشهرها الدرجة السياحية، وبلغ سعر التذكرة (ذهابًا وعودة) حوالي مائة وتسعين ألف جنيه سوداني تقريبًا.
مع مرور الوقت، حان موعد الغداء، وهي وجبة كانت مشمولة في سعر تذكرتنا. كان الإسراع في الحصول عليها أمرًا ضروريًا، لأن التأخر قد يضيع علينا فرصة تناولها.
وفي الوقت نفسه، كانت العبارة أشبه بسوق مصغر، حيث كان تجار العملة منهمكين في تحويل الجنيه السوداني إلى الجنيه المصري، مع قيمة صرف تعادل فيها العملة السودانية نحو ضعفين ونصف العملة المصرية.
تحركت العبارة بحرص شديد، مسترشدةً بـ "الشمندورة"، وهي علامات دقيقة تُرشدها في البحيرة. هذه العلامات ألهمت الفنان النوبي المصري الكبير محمد منير، الملقب بـ "الكنج"، ليغني عنها في أغنيته الشهيرة "الشمندورة" التي قدمها بكلمات نوبية وعربية، فخلدها في وجدان محبيه.
قد يؤدي الانحراف عن هذه الشمندورات إلى كارثة واصطدام بجبال مغمورة تحت المياه. وقد جاء هذا الإجراء عقب حادثة مروعة أودت بحياة الكثيرين، الأمر الذي دفع الحكومتين المصرية والسودانية إلى الاتفاق على وضع هذه العلامات، في خطوة حكيمة لحماية الأرواح وضمان سلامة الرحلات.
عند نقطة الحدود الفاصلة بين السودان ومصر، توقفت العبارة فجأة في قلب البحيرة. لحظتها، صعد رجال حرس الحدود المصريون لإتمام الإجراءات الرسمية، وكان صعودهم بمثابة إيذان ببدء فصل جديد من الرحلة، وبلوغنا أرض مصر.
تتركز مهام رجال حرس الحدود في تفتيش العبارة بدقة، والقبض على الهاربين والمسجلين خطر، مع تدقيق جوازات السفر. من يثبت تورطه في مخالفات أو سوابق يُعتقل فورًا.
أما الأجانب القادمين إلى مصر، فيتم منحهم ختم الدخول مؤرخًا بالغد، إذ من المخطط أن تصل العبارة إلى ميناء أسوان في صباح اليوم التالي.
بعد مرور ساعتين، بدأ الليل ينسج ظلاله على الأفق. صعدنا إلى سطح العبارة لأداء صلاتي المغرب والعشاء معًا، وللاستمتاع بسحر البحيرة الخلاب.
تحيط بالبحيرة الجبال من كل جانب، وتتراقص الأمواج بعنف وجمال، فيما تعود الطيور إلى أعشاشها، ويبحر الصيادون بمراكبهم الشراعية، بينما تلتزم الشمندورات صفوفها كحراس صامتين يراقبون المياه. كل هذه المشاهد تتطلب شاعرًا يجيد الوصف ويضفي على المشهد الحياة بالكلمات.
بعد أن أدينا صلواتنا، اجتمعنا للحديث والسهر. تعرفت على مجموعة من المسافرين من شمال السودان، تحديداً من مناطق المحس والسكوت وحلفا، بالإضافة إلى آخرين من مدن سودانية مختلفة، وبعض المصريين الذين تميزوا بخفة ظلهم وبساطتهم.
في جنح الظلام، كنا نشاهد القرى النوبية المصرية المنتشرة على ضفاف البحيرة. فالبحيرة عبارة عن تجمع مائي اصطناعي طولي، مما يتيح لك رؤية الضفتين الشرقية والغربية بوضوح. وفي بعض المناطق، كانت البحيرة تضيق لدرجة تجعلك تشعر بأن العبارة لن تمر بسلام، لكنها كانت دائمًا تعبر بأمان.
هناك بعض الأماكن تُسمى بالجُروف، ومن أشهرها جرف حسين في مصر. وبعد فترة من الزمن، رأينا منظرًا مهيبًا وعظيمًا في الضفة الغربية للبحيرة.
في تلك اللحظة، لم أسأل رفاقي عن ذلك الأثر التاريخي الخالد والشامخ. كنت قد قرأت عنه كثيرًا، وكنت أتمنى زيارته يومًا ما، بل مجرد رؤيته ولو من بعيد. إنه أثر عظيم يحكي عظمة وقوة الإنسان النوبي النبيل.
أخبرتهم أن المبنى الأثري المهيب ليس إلا معبد "أبو سمبل"، وصدّقوني في ذلك. شرحت لهم تاريخه المفصل، فقد قرأت عنه الكثير من الحقائق المثيرة والعجيبة، وكانوا مندهشين جدًا من شرحي، ومازحني أحدهم قائلاً إنه يجب أن أعمل يومًا ما كمرشد سياحي.
قبل إنشاء السد العالي، كان هذا الأثر التاريخي موجودًا على الضفة الشرقية لنهر النيل. وبسبب غمر موقعه الأصلي بالمياه، اتفقت الجهات المختصة على نقله إلى الضفة الغربية، لعدم وجود موقع مناسب لإعادة بنائه على الضفة الشرقية.
هذا المكان ليس مجرد معبد أو مبنى، بل هو رمز يجسد الفخر. لقد أدركت مدى إتقان المصريين للترويج السياحي، فالسياحة تعد مصدر دخل رئيسي لهم. لذا، أرى نفسي محظوظًا لأنني اخترت السفر برًا، وأوصي كل من يسافر من السودان إلى مصر للمرة الأولى أن يخوض هذه التجربة الممتعة المليئة بروح المغامرة.
في صباح الخميس، الحادي والعشرين من يوليو 2010، عند الساعة الحادية عشرة، وصلنا إلى مشارف ميناء أسوان. وقبل رسو العبارة، مررنا بالقرب من السد العالي، الصرح الضخم الذي أنشئ في فترة الستينيات من القرن الماضي.
رست العبارة في ميناء أسوان مع حلول الظهيرة، وتحديداً عند الساعة الثانية عشرة. هذا الميناء، الذي يبعد قليلاً عن المدينة نحو الجنوب. كانت أولى مشاهدنا هناك هي البواخر السياحية الضخمة والمكونة من عدة طوابق.
علمت من أهل المعرفة أن تلك العبارات السياحية مملوكة لشركات خاصة، وأنها مخصصة لخدمة السياح الأجانب، الذين يستأجرونها في مجموعات كبيرة للقيام برحلات بحرية إلى معبد أبو سمبل التاريخي، الواقع جنوب مدينة أسوان.
أسوان (أرض الذهب)
لم تكن مغادرة العبارة سهلة، بل كانت عشوائية، ومحزنة، ومخجلة. كان التدافع نحو الباب لا يصدق، وكأنهم يهربون من حريق اندلع فجأة في سوق مزدحم. تحولت العبارة إلى مشهد من الفوضى، حيث كان الركاب يتدافعون بلا وعي. اختفت كل مظاهر الحضارة، ولم يعد هناك أي اعتبار للفوارق بين الرجال والنساء، أو الكبار والصغار.
دخلنا ميناء أسوان للبدء في إجراءات الدخول والتفتيش، ولكن للأمانة شتان بين ميناء وادي حلفا في السودان ونظيره في أسوان بمصر؛ فالميناء المصري كبير المبنى ومجهز بأحدث الأجهزة.
غادرنا المكان سريعًا إلى المحطة القريبة، حيث تزخر بالناس وعربات الأجرة والمركبات الصغيرة مثل الميكروباصات، والكبيرة مثل الأوتوبيسات والحافلات، فضلاً عن القاطرات الصغيرة التي تأخذ الركاب إلى محطة أسوان الرئيسية للقطارات داخل المدينة.
من حسن الصدف أنني كان لدي صديق نوبي قديم من أسوان، يُدعى أحمد عبد العزيز (رحمه الله)، والذي كان يُعرف بلقب "ياسر باجيو". كان لديه أقارب في حي العشرة بالخرطوم، وقد أعطاني عنوانه ورقم هاتفه قبل سنوات، في حالة أن تقودني الأيام لزيارة أسوان، لأتمكن من زيارته في بيته العامر.
استأجرت تاكسي فور الخروج من الميناء برفقة أحد شباب وادي حلفا، الذي التقيت به في الرحلة بالعبارة، وله أقارب في النوبة المصرية. وأبلغته بأن صديقي يسكن في حي الحصايا بالمدينة.
أخبرني أنه على دراية بالحي، لكنه لم يعرف العنوان المحدد لأن منزله في أبو سمبل. نصحني بالاستفسار من سكان الحي، وقال إنني سأجد العنوان بلا شك. اقتنعت بكلامه، وركبت معه سيارة الأجرة التي ستنقلنا لاحقًا إلى وسط مدينة أسوان.
في طريقنا، كنتُ أتأمل كل شيء حولي بفضول ودهشة، فكانت تلك تجربتي الأولى في دخول مصر برًا، بل وفي مغادرة السودان على الإطلاق. لقد كانت لحظات لا يمكن أن تُمحى من الذاكرة.
شعرت بعظمة هذه الدولة من خلال المباني العريقة والمساجد والكنائس والمنازل والشوارع والشركات والمؤسسات والمستشفيات والأسواق والمدارس التي تنتشر هنا وهناك، وكل ذلك وأنا ما زلت في ضواحي أسوان الجنوبية فقط!
ونحن نتجه شمالًا نحو قلب مدينة أسوان، مررنا بخزان أسوان، خزان يختلف عن السد العالي. بُني عام 1906م لتخزين المياه وتنظيم مياه النهر الخالد، ويقع على بعد 9.5 كيلومترات شمال السد العالي.
أنزلني صديقي في حي الحصايا، وفي يدي عنوان صديقي الذي أود زيارته. بدأت أسأل السكان عن العنوان، حتى قادتني المصادفة إلى اثنين من أقاربه الذين أشاروا لي إلى منزله. تبين أنني كنت على بعد خطوات قليلة منه. ولولا أن رقم هاتفه المحمول كان ناقصًا، لكان الاتصال به قبل الوصول أسهل بكثير.
المهم ذهبت لمنزل صديقي فهو يقيم مع أسرته الكريمة وأنا أعرفهم كلهم وكم كانت سعادتي وسعادتهم كبيرة بوصولي، فأهل أسوان مثل أهل السودان تماماً في التقاليد والأعراف والإجتماعيات، بل لا يشعر السوداني بأنه قد غادر بلده ولو لبرهة من الزمن.
وجدتُ ترحيبًا كبيرًا، فالعائلة كانت متعطشة لأخبار السودان وأخبار أقاربهم. طمأنتهم على سلامة الجميع، فقاموا بالاتصال بصديقي (رحمه الله) ليُخبروه بوصولي. جاءني صديقي على الفور، فدهشت من أن اسمه الحقيقي أحمد عبد العزيز، في حين أن الجميع يناديه بلقب "ياسر باجيو"!
بعد أن ارتحتُ قليلًا، فاتحتُ صديقي بموضوع السفر إلى القاهرة بعد يومين، وأخبرته أنني بذلك قد أوفيت بالوعد الذي قطعته له بزيارته. كان سعيدًا بقدومي، واستقبلني بكل حفاوة وكرم على طريقة أهل أسوان والنوبة.
وكعادة أهل النوبة في الكرم، أصرّ عليّ الشاب أن أبقى معه مدة لا تقل عن أسبوع. وفسّر لي إصراره بأنه سيتوجه بعد أيام إلى القاهرة لإتمام أعماله، فضلاً عن رغبته في الاطمئنان على صحة عمه المريض هناك.
اغتنمْتُ هذه الفرصة الذهبية لأستمتع بأسوان ومعالمها التاريخية الخلابة. وكان من دواعي سروري أن صديقي سيرافقني في رحلتي إلى القاهرة؛ فالرفقة في السفر تضفي شعورًا بالراحة والأمان، ومَن مِنّا لا يؤمن بمقولة: "الرفيق قبل الطريق"؟.
خبايا أسوان الجميلة
في صباح اليوم التالي، انطلقتُ مع صديقي ياسر في جولة لاستكشاف المدينة. لم يكن هناك دليل أفضل منه، فهو ابن أسوان ويعرف كل تفاصيلها. برز منزل عائلته في مشهده الأصيل، بتصميمه النوبي الفريد، كما هو حال معظم بيوت حي الحصايا.
أثار إعجابي التشابه الكبير بين منازل أسوان، ولاحظت أن أغلب سكانها من النوبة، وينقسمون إلى مجموعتين: الكنوز والفاديجا. فالكنوز يتحدثون لغة نوبية مطابقة للغة الدناقلة "الأوشكر" في النوبة السودانية، أما الفاديجا فلغتهم قريبة من لغة أهل المحس والسكوت وحلفا في النوبة السودانية أيضًا.
يقع منزلهم في منطقة سكنية مرتفعة وقريبة من كورنيش أسوان ومحطة القطارات الرئيسية. ورغم الكثافة السكانية، كانت المنطقة تتمتع بهدوء ونظافة ملحوظين.
تضم أسوان جالية كبيرة من أهل السودان، إضافة إلى الصعايدة والفلاحين والمكونات الاجتماعية الأخرى، ما يجعلها تبدو كمصر مصغرة. أحياؤها وحاراتها تحكي قصصًا عن ماضيها العريق، فهي مدينة صقلها التاريخ وأخذت منه الكثير، وتتميز بشوارعها المعبدة وأحيائها المنظمة والجميلة.
في هذه المدينة الساحرة، يوجد نظام صرف صحي متكامل، وهو ما يثير الدهشة لكونه غير متوفر في معظم مدننا السودانية، بما فيها الخرطوم نفسها. كما أن المدينة منظمة ومتطورة نسبيًا، وتعج بالمباني الحديثة التي تمنحها طابع المدن العصرية.
تُسمى الأسواق الصغيرة بـ"الشوادر" وجمعها "شادر". حين قال لي صديقي إننا سنبدأ زيارتنا للمدينة من الشادر القريب، خطر ببالي فيلم الراحل أحمد ذكي "شادر السمك". لم أحتج لسؤاله عن معنى "شادر"، فقد فهمت ذلك مباشرة.
في الشادر هناك نظام واضح، والبقالات والمحلات التجارية مرتبة، والأسعار زهيدة جدًا، ما يسمح للجميع بشراء وبيع ما يرغبون من خضار وفواكه وخبز ومواد غذائية. اللحوم كانت تمثل استثناءً قليل الصعوبة في شرائها.
ما زلت أذكر كيف كان سعر كيلو الطماطم لا يتجاوز ثلاثة جنيهات، بينما كان سعره في الخرطوم يتعدى الخمسة وعشرين جنيهًا. هذا التباين الصارخ في الأسعار كان أكثر إثارة للدهشة حين تدرك أن الجنيه السوداني كان يعادل ضعفين ونصف من قيمة الجنيه المصري.
ثم انطلقنا نحو محطة القطار الشهيرة بهدف شراء تذاكر إلى القاهرة، إلا أن موظف الحجز أخبرنا بأن النظام يتيح الحجز ليومين فقط مقدمًا، ولا يمكنه حجز تذاكر للأيام التالية. تقبلنا هذا الإجراء وقررنا العودة بعد خمسة أيام.
كانت وجهتنا التالية كورنيش أسوان الجميل، ذو الشارع الطويل والفسيح، المزدحم بالمتاجر والشركات والبنوك والمطاعم والمقاهي وغيرها.
أما في الجهة المقابلة، فهناك شاطئ النيل، حيث ترسو المراكب السياحية الفخمة التي تنقل الزوار في رحلات ممتعة تبدأ من أسوان وتمتد إلى الأقصر، وأحيانًا حتى القاهرة.
لاحظت وجود الأجانب بكثرة، وكأنني في مدينة أوروبية عريقة. وفي منتصف النهر العظيم تقع جزيرة خضراء خلابة، تضم مبانٍ ضخمة وفنادق حديثة ومزارات سياحية، وقال لي صديقي إنها تُسمى (جزيرة أسوان).
لم أرَ جزيرة بهذا الجمال والخضرة في حياتي. كما رأيت على الطرف الغربي للنهر معابد نوبية قديمة تروي تاريخ النوبة وعظمتها عبر القرون الماضية وحتى الآن.
مثلها مثل أي مدينة مصرية كبرى، أسوان لا تنام، فالحركة فيها دائمة ونشطة. محلاتها ومقاهيها ومطاعمها ومؤسساتها منتشرة في كل مكان، مما يجعلها مدينة نابضة بالحياة. لقد قضيت ليلة جميلة وممتعة في هذه المدينة الساحرة، التي ظلت تُعرف بـ"أرض الذهب" عبر التاريخ.
في الأيام اللاحقة، استكشفنا كل ركن في أسوان. زرنا المتحف النوبي ومعبد فيلة وجزيرة ألفنتين ومقبرة آغا خان. كما قمنا بزيارة شارع عباس محمود العقاد، تكريمًا للأديب والشاعر والصحفي العظيم الذي وُلِد في هذه المدينة.
لم تخلُ جولتنا من المرور باستاد أسوان، حيث توجد العديد من الجمعيات الفنية والمنتديات النوبية.
الأحياء الأسوانية عريقة جدًا وتحمل طابعًا تاريخيًا واجتماعيًا واضحًا، حيث يحمل بعضها أسماء قبائل سودانية أو قبائل مشتركة بين السودان ومصر، مثل البشارية والعبابدة وغيرها.
في إحدى الليالي، وأثناء العودة من أحد بيوت عزاء أقارب صديقي ياسر، سمعتُ موسيقى سودانية تنبعث من أحد الأفراح المقامة في الحي. أخبرني صديقي أن الأغاني السودانية تحظى بشعبية كبيرة في أسوان، بل قد تكون أكثر رواجًا من الأغاني المصرية، وأشار إلى وجود قنصلية سودانية والكثير من الجمعيات والمنتديات الفنية السودانية في المدينة.
أهل أسوان والنوبة تقريبًا يعرفون جميع فناني ومطربي السودان، ويكنون للسودان والسودانيين محبة كبيرة، وقد رأيت ذلك بأم عيني. كما أن معظم القرى النوبية في محافظة أسوان تحافظ على عاداتها وتقاليدها وثقافتها النوبية منذ قديم الزمان.
دائمًا ما تكون دور العبادة في مصر مكتظة بالمصلين. وما يميز المساجد هو جمالها الخارجي الجذاب، وبهاؤها الداخلي الرائع، وطرازها المعماري الذي يعكس عظمة المسجد وقيمته التاريخية. ويبدو أن معظم الأئمة درسوا في جامعة الأزهر، ويرتدون القبعات التقليدية المميزة لخريجيها.
في أسوان، التي تُعرف بـ "أرض الذهب"، يعيش عدد لا بأس به من الأقباط الأرثوذكس. سكان المدينة يتميزون بكرمهم وطيبتهم، فهم يتعاملون مع الجميع برُقيّ وأدب، تمامًا كما هو الحال في المدن والقرى المصرية.
تُعرف مصر بامتلاكها شبكة قطارات واسعة ومحطات كبيرة، وتُعتبر محطة أسوان إحدى أبرزها. حركة القطارات فيها متواصلة على مدار اليوم، فهي المحطة النهائية جنوبًا، وتشكل البوابة الرئيسية لمحافظة أسوان المتاخمة للحدود السودانية.
في أرض الذهب، يجد الزائر أنواعًا متعددة من القطارات مثل القطار الفرنسي والإسباني والقشاش، ويُعد القطار الإسباني أشهرها. وحركة الحجوزات على هذه القطارات لا تهدأ طوال الأسبوع، سواء للركاب القادمين أو المغادرين، ما يعكس النشاط الدائم لهذه المدينة.
يسافر الناس من أسوان إلى وجهات متعددة في أنحاء مصر، مثل قنا، وسوهاج، وأسيوط، والمنيا، وسمالوط، وبني سويف، وبني مزار، والأقصر. ومنها إلى القاهرة الكبرى، ثم إلى السويس، بورسعيد، الإسماعيلية، رشيد، دمياط، طنطا، المحلة الكبرى، والإسكندرية، ومرسى مطروح.
في تلك الأجواء، ينساب الوقت دون إحساس بمروره. وفي المقابل، شعرت بمرارة الأسف على واقع السودان وقطاراته، فبلادنا ذات تاريخ عريق في السكك الحديدية منذ عهد الاستعمار البريطاني في عام 1899م، ومع ذلك، لم نطور هذا الإرث، وكأن الزمن توقف عندنا.
يُعد قطاع السكك الحديدية محورًا أساسيًا وحيويًا للاقتصاد؛ فالقطار يجمع بين السهولة والسرعة والأمان. وعلى الرغم من أهميته، يبدو أن الواقع لا يستجيب، بينما تستغل مصر هذا القطاع العظيم على أكمل وجه من خلال محطاتها المتنوعة الكبيرة والصغيرة، وهو ما لمسته بنفسي كونه وسيلة فعالة واقتصادية.
مكثت نحو أسبوع في أسوان الرائعة، ورغم غياب كاميرتي، ظلّت كل لحظة وكل ذكرى ساحرة محفورة في قلبي وعقلي، ولن أنساها أبدًا.
بعد أيام قليلة، حصل صديقي أحمد على تذكرتين، لكن فرحتنا لم تكتمل هذه المرة، إذ كانت صالحتين فقط حتى مدينة أسيوط، وسنضطر للوقوف حتى الوصول إلى القاهرة، حيث سيأخذ آخرون مكاننا.
التذاكر متوفرة بالفعل حتى القاهرة والإسكندرية من مدينة أسوان، لكن صديقي شدد على أن الوقت ليس مناسبًا لنا، لا سيما مع قرب حلول شهر رمضان، إذ أن الانتظار لحجز تذاكر مباشرة إلى القاهرة سيأخذ وقتًا طويلًا.
وافقت على اقتراحه، فهو أدرى مني بكيفية التعامل مع هذه الأمور، ولم أشعر بأي مشكلة، فقد كنت سعيدًا للغاية لأنني سأزور القاهرة الكبرى.
قبل ذلك، كانت مشاهدتي للقاهرة تقتصر على وسائل الإعلام والصحف والمجلات، أو على قصص أقربائي وأصدقائي، أما هذه المرة فكان التجربة مختلفة تمامًا.
قطار الصعيد
انطلق القطار بالدقيقة والثانية المحددة في التذكرة، قبل لحظات من أذان المغرب من محطة أسوان. ارتفعت أصوات العجلات بنغمة إيقاعية، كأنها تُنشد بداية رحلة طال انتظارها. كانت المغامرة مشوقة، وصفارة القطار العالية (الكليتون) تصيح بالوداع والرحيل.
مع انطلاق القطار، أخذ كل راكب مكانه وودع أهله من النوافذ أو الرصيف. في تلك اللحظة، كنت أودع أسوان الرائعة وأهلها الطيبين. كانت هذه المرة الأولى التي أحزن فيها لمغادرة مدينة، وهو شعور لم يساورني أبدًا خلال رحلاتي في السودان!
من مقعدي بجانب النافذة اليمنى، استمتعت بمشهد القرى النوبية المنتشرة. مع زيادة سرعة القطار واقتراب الغروب، بدأت أرى القرى المضاءة تلمع كاللؤلؤ على رمال الشاطئ البيضاء تحت ضوء القمر.
المناظر على ضفاف النيل بديعة وخلابة، وجميع القرى محاطة بالأراضي الزراعية الخصبة. يلفت نظر كل مسافر كثافة أشجار النخيل التي تزين ضفتي النهر الخالد، والزراعة عند المصريين ليست مجرد عمل، بل فن متوارث، يجمع بين التكيف والإتقان والمتعة، ويتجسد فيها الحب والانتماء والثقافة العميقة.
أهل مصر يجيدون الزراعة، فلا يوجد حقل زراعي خالٍ من النباتات والشتول المزهرة والمثمرة والكثيفة والخضراء والغنية بكل شيء. يزرعون الأرض طوال العام بصورة مستمرة ودائمة وبحرص تام، ويكون الإنتاج وفيرًا وغزيرًا.
المدن الصغيرة والقرى كانت ساحرة، جميعها تتألف من عمارات صغيرة وبيوت بالطوب الأحمر، تحيط بها الحقول الزراعية الخضراء التي تأسر نظر كل مسافر. حينها، يشعر من يسافر بالقطار بسعادة خاصة، كأن الحظ يرافقه في كل لحظة.
عبرنا مسافة ليست بالقصيرة، حتى وصلنا إلى دراو، المحطة الأولى بعد أسوان شمالًا. نزل بعض ركاب المدينة إلى أحضانها الدافئة، وصعد آخرون في رحلتهم الطويلة نحو المحافظات الشمالية أو القاهرة الكبرى، وسط صخب المحطة وحركة الركاب.
كانت محطتنا التالية هي مدينة كوم أمبو الشهيرة، التي تضم محطة قطار لا تضاهي محطة أسوان في حجمها. كانت لحظة التوقف قصيرة جدًا، حيث كان القطار يلتزم ببرنامج زمني دقيق، فبينما نزل بعض المسافرين، كان آخرون يصعدون على عجلة لمتابعة رحلتهم.
انطلقنا من كوم أمبو شمالًا على الضفة الشرقية لنهر النيل العظيم. وفي الطريق، لمحت أعيننا القطارات القادمة من القاهرة متجهة نحو أسوان، كل خط سكة حديد يسير بمفرده، حمايةً من الاصطدامات والحوادث التي كانت شائعة في الماضي.
بدت لي الطرق السريعة المعبدة وكأنها شرايين حية تتوازى مع سكك الحديد، قريبة من نهر النيل العظيم، تتدفق فيها الحركة بلا توقف، شمالًا وجنوبًا، شاهدة على حرص هذا البلد على تنظيم حياته وبنياته التحتية.
بعد رحلة قصيرة لكنها ممتدة، دخل القطار محطة مدينة إدفو، المدينة المتوسطة التي تشهد حياة هادئة على ضفاف النيل. يبدو أن هناك جسرًا نيليًا يغير مسار السكة الحديدية من الضفة الشرقية إلى الغربية، إن لم تخنني الذاكرة. وبين نزول بعض الركاب وصعود آخرين، كان القطار يتجه بخطوات ثابتة صوب محطات الشمال.
واصلنا رحلتنا شمالًا، ولاحظت أن القطار لا يتوقف كثيرًا، ربما لعشر دقائق فقط، لكن الركاب كانوا يعرفون مواعيدهم بدقة. توقفنا في مدينة إسنا، وهي مدينة متوسطة الحجم على الضفة الغربية للنيل، ويشكل أهل الصعيد غالبية سكانها.
انطلق القطار نحو الشمال، متوجّهًا إلى الأقصر، مدينة التاريخ والفراعنة، التي كانت عاصمة عبر حقب زمنية عديدة. الأقصر محافظة مستقلة تشتهر بمعابدها ووادي الملوك وطريق الكباش، إضافة إلى مدافن ومعابد الفراعنة والحكام المصريين القدماء.
للأمانة، الحديث عن هذه المدينة التاريخية والسياحية يطول، ولكننا لم نَطَأ أرضها إلا عن طريق القطار، والذي كان هذه المرة في الضفة الشرقية للنيل العظيم.
وكما كان متوقعاً، توقف القطار في تلك المدينة الساحرة لفترة أطول، حيث شهدنا حركة نشطة من الركاب بين الصعود والنزول. في هذه المدينة التي تربط الماضي بالحاضر والمستقبل، شعرتُ أن التاريخ يتجسد أمامي. كانت لحظة فخر، فمجرد العبور بهذه المدينة التاريخية يُعد شرفاً.
بعد أن تركنا الأقصر خلفنا، اتجه قطارنا نحو الشمال، قاصداً مدينة قوص، تلك المدينة الكبيرة نسبيًا والشهيرة في صعيد مصر. هناك، توقف القطار لوقت قصير، وكأنه يستجمع أنفاسه قبل أن ينطلق مجدداً في رحلته شمالاً.
وصلنا بعد حين إلى مدينة قنا، تلك المحافظة الكبيرة والشهيرة في صعيد مصر. تُعرف كل القرى الواقعة جنوب القاهرة، وصولاً إلى الحدود السودانية، باسم "الوجه القبلي" أو "صعيد مصر"، وتضم قرى النوبيين والصعايدة وغيرهم.
كلمة "الوجه القبلي" مألوفة لدى أهل الشمال في السودان، خصوصًا النوبيين، وتعني "الجنوب"، بينما كلمة "بحري" تعني "الشمال". لذلك أُطلق اسم "الوجه البحري" على المدن والقرى الواقعة شمال القاهرة، أي في الدلتا ومحافظات الشمال، لوقوعها بالقرب من ساحل البحر الأبيض المتوسط.
ما أن اكتملت حركة الصعود والنزول في محطة قنا، حتى انطلق القطار مجدداً نحو الشمال، في طريقه إلى القاهرة. ولكن رحلتنا لم تكن مباشرة، حيث كان القطار على موعد مع المرور بمدن ومحافظات كبرى، كل منها تحمل قصصها الخاصة.
عجت عربة القطار بنشاط ملحوظ من قبل الباعة وموظف التذاكر. كان القطار بحد ذاته تحفة فنية، فمقاعده الفاخرة، ووسائده الوثيرة، وتكييفه المنعش، وإضاءته الهادئة، جعلت منه مكاناً مريحاً. وكان الركاب محظوظين بوجود بائعين مرخص لهم ببيع كل ما لذ وطاب، مما جعل الرحلة أكثر متعة.
توقف القطار في مدينة دشنا، التي تُعد مدينة متوسطة الحجم، وتتميز بحركة أقل مقارنة بمدن الصعيد الكبرى. وكما كان متوقعاً، كانت وقفته قصيرة، حيث تابع القطار رحلته شمالاً دون تأخير يذكر.
بعد ذلك، وصلنا إلى مدينة نجع حمادي، التي يشتهر سكانها بكونهم من الصعايدة، سواء كانوا مسلمين أو أقباط. من المؤسف أن هذه المدينة شهدت في عام 2010م فتنة طائفية بين المسلمين والأقباط الأرثوذكس، وتحديدًا في بلدة دير مواس الواقعة شمال المدينة.
في ذلك الوقت، طالب المسلمون بتسليم السيدة كاميليا شحاتة، بدعوى أنها أعلنت إسلامها ولا ينبغي حبسها. لكن القساوسة والكهنة نفوا ذلك، مما أدى إلى صدامات دامية بين الطرفين، أسفرت عن خسائر في الأرواح وتناقلتها وسائل الإعلام.
تتميز مدينة نجع حمادي بكونها مدينة كبيرة وحافلة بالحياة، حيث يقطنها عدد كبير من السكان. وهي تُعرف أيضاً بنشاطها التجاري الواسع وبمحاصيلها الزراعية الوفيرة. ورغم أن نسيجها الاجتماعي يضم مساجد وكنائس كثيرة، إلا أن الفتنة تبقى آفة لا تتقيد بدين أو أخلاق.
وقف القطار هناك لدقائق معدودة، ثم انطلق نحو مدينة البليانا الصغيرة في الصعيد. بعد ذلك بلغنا مدينة جرجا، مدينة متوسطة الحجم ذات طابع زراعي، يقطنها المسلمون والمسيحيون، حيث نزل من نزل وصعد من صعد على متن القطار.
لم يمض وقت طويل حتى وصلنا إلى مدينة سوهاج، عاصمة محافظة تحمل نفس الاسم. المدينة كبيرة ومليئة بالحركة والنشاط طوال الليل. صعد ركاب كثيرون ونزل بعضهم، وامتلأ القطار أكثر مما كان عليه سابقًا.
واصل القطار رحلته شمالًا، مارًا بعدد من المدن والبلدات الصغيرة، مثل مدينة طهطا، مسقط رأس رفاعة رافع الطهطاوي، أحد قادة النهضة العلمية في مصر في عهد محمد علي باشا. كما توقف القطار لفترة قصيرة في مدينة طما الصغيرة، إن لم تخنني الذاكرة.
ما أثار دهشتي هو كثرة المحطات وتنوع المدن، وهذا يعكس الاهتمام الكبير الذي أولته الحكومات المصرية لهذا القطاع الحيوي منذ عهد الأسرة العلوية. وقد بدت المحطات وكأنها نسخة طبق الأصل من بعضها، فكان تشابهها في التصميم والأرصفة والبوابات يجعلك تشعر وكأنك تمر بالمحطة نفسها مرارًا وتكرارًا.
حين بلغنا مدينة أسيوط الشهيرة، القابعة على ضفاف النيل الشرقية، تبين لنا أننا قد تجاوزنا أكثر من نصف الرحلة من أسوان نحو القاهرة الكبرى.
تُعد مدينة أسيوط مدينة مهمة جدًا، فقد وُلد فيها الرئيس المصري جمال عبد الناصر والشيخ المعروف جلال الدين السيوطي. وكغيرها من المدن الكبيرة في مصر، تتوفر فيها الكثير من الخدمات والمرافق التي يحتاجها الناس.
تعتبر أسيوط مدينة غنية بالنشاطات المختلفة، من الصناعات إلى الرياضة والتجارة والزراعة والثقافة، كما تحتوي على صناعة النفط ومصنع إسمنت ضخم. يسكنها عدد كبير من المسلمين والمسيحيين، وللأسف شهدت عدة فتن طائفية في الماضي.
في هذه المحطة بالذات، تنازلنا عن مقاعدنا الوثيرة لركاب آخرين، إذ اكتفينا بشراء تذاكرنا من أسوان حتى أسيوط فقط، لعدم توفر تذاكر مباشرة إلى القاهرة الكبرى.
واجهنا آنذاك خيارين: النزول في أسيوط وحجز تذاكر جديدة إلى القاهرة مع انتظار القطار التالي، أو الاستمرار في نفس القطار مجانًا، مع ترتيب الوقوف بأنفسنا. وكان الخيار الثاني الأنسب.
كانت محطتنا التالية مدينة منفلوط، التي نعرفها جميعاً كمسقط رأس الشاعر والأديب الشهير مصطفى لطفي المنفلوطي. هذه المدينة، التي لا تُقارن في حجمها ببقية مدن الصعيد الكبرى، لم يحتج القطار للتوقف فيها طويلاً.
وجدنا مكانًا مناسبًا بين عربتين، وهي منطقة مغلقة من الأسفل وبها شبابيك واسعة. قضينا الوقت في تبادل الحديث والضحكات، مستخدمين صناديق المياه الغازية كمقاعد مؤقتة، ولهذا لم نشعر بمرور الوقت.
في تلك اللحظة، انضم إلى صحبتنا صديق لأحمد، كان من النوبة المصرية، وقد ظننته سودانيًا للوهلة الأولى. لم تمضِ فترة طويلة حتى توقف القطار في مدينة ملوي المتوسطة الحجم، لكنه لم يمكث طويلاً وغادرها مسرعًا.
تابعنا رحلتنا نحو الشمال، لتبهرنا مدينة المنيا، عاصمة المحافظة، التي تتميز بمحطتها الضخمة. أتاحت لنا وقفتنا القصيرة فرصة لرؤية حجمها الكبير، حيث شهدت المحطة حركة نشطة من الركاب. وتُعرف المنيا بأنها مسقط رأس الفنانين الشعبيين ماهر المنياوي وابنه مكرم المنياوي.
تُعد المنيا مدينة عريقة، وتتميز بنشاطها الشامل، فهي محاطة بمناطق زراعية واسعة، ويغلب على سكانها أهل الصعيد، كما تضم عددًا كبيراً من المسيحيين الأرثوذكس. وتُعرف المدينة بوجود العديد من دور العبادة وجامعة المنيا الشهيرة، بالإضافة إلى كونها مركزًا تجاريًا وصناعيًا.
ثم بلغنا مدينة سمالوط، والتي بدت لي، إن لم تخني الذاكرة، نسخة طبق الأصل من باقي مدن الصعيد. كانت وقفتنا بها قصيرة، وكأن القطار كان على عجلة من أمره للوصول إلى المدن الأخرى.
بعد فترة، توقف القطار في مدينة بني مزار، وهي مدينة متوسطة الحجم. مع بزوغ الصباح تدريجيًا، بدأ كل شيء يلوح أمام أعيننا بوضوح نسبي.
ما أن استأنف القطار سيره، حتى توقف في مدينة مغاغة، التي رغم حجمها المتوسط، تعج بالحياة والنشاط. وكما هو الحال في معظم مدن الصعيد، فهي مدينة زراعية وتجارية، تضاهي غيرها من مدن الوجه القبلي.
مع شروق الفجر وبداية لمعان ضوء الشمس الذهبي، بلغ القطار مدينة بني سويف، والتي تمثل آخر محطة في الوجه القبلي قبل دخول القاهرة الكبرى.
بني سويف مدينة جميلة ونابضة بالحياة، تضم جامعة عريقة، وتشتهر بالتجارة والسياحة. كما أنها موطن لنادي "تليفونات بني سويف" الرياضي، وتتوفر بها كل مقومات الحياة الحديثة، ولديها محطة قطار كبيرة.
ظل القطار متوقفًا هناك لبعض الوقت، وكالعادة نزل وصعد ركاب. وكان العدد هذه المرة كبيرًا نسبيًا، فالكل يتطلع للوصول إلى القاهرة صباح اليوم، مرورًا بمدينة الجيزة.
قادنا القطار شمالًا نحو الجيزة مع بزوغ فجر ذلك اليوم المميز في حياتي. بعض الركاب نزل في ضاحية الجيزة، بينما استمر معظم الركاب في رحلتهم نحو محطة مصر (رمسيس) في قلب القاهرة.
في محطة مصر
وصل القطار إلى ضاحية الجيزة الجنوبية، وهي محافظة تُعد جزءًا من القاهرة الكبرى. تشكل الجيزة ومدينة 6 أكتوبر الجزء الغربي من النيل، بينما تقع القاهرة وحلوان والجزء الجنوبي من القليوبية في الجزء الشرقي، وجميعها تشكل منطقة القاهرة الكبرى.
للعلم، في مصر المحافظة تُعادل الولاية في السودان، وعدد محافظات مصر 27 محافظة أشهرها القاهرة، الإسكندرية، أسوان، أسيوط، المنيا، الفيوم، السويس، الإسماعيلية، بور سعيد، والقليوبية.
توجه القطار نحو محطة مصر (رمسيس) وهو يشق طريقه في أحياء مدينة الجيزة المختلفة. هناك، تتناثر العمارات العالية والمباني التاريخية العريقة، وتتعاقب الأحياء الشعبية والراقية، وتنتشر الحدائق والمتنزهات والمؤسسات، إلى جانب المساجد والمعابد والشوارع الواسعة المليئة بصخب المدينة وحركتها الدائمة.
كما خيّلت تمامًا، كنا في قلب إحدى أكبر وأشهر العواصم في الشرق الأوسط وإفريقيا والعالم. توقف قطارنا قليلاً عند محطة صغيرة، نزل بعض الركاب، ولم يصعد أحد، إذ كنا على مقربة من محطة مصر.
أثناء عبورنا على متن القطار فوق جسر إمبابة، لمحنا نهر النيل وهو ينساب وسط مدينة القاهرة، ويقسمها إلى ضفتين: شرقية وغربية. وعلى الناحية الجنوبية من هذا الجسر التاريخي، تبرز مجموعة من المباني الشهيرة التي اعتدنا رؤيتها في وسائل الإعلام.
كان أول ما لفت انتباهي هو مبنى الإذاعة والتلفزيون الشهير، المعروف باسم "الماسبيرو"، والذي يقع بالقرب من جسر ومحور 6 أكتوبر في الضفة الشرقية. وإلى الجنوب منه مباشرة، يقع فندق هيلتون رمسيس.
على الضفة الشرقية أيضاً، تتركز مجموعة من المعالم الحيوية في منطقة وسط البلد، وتشمل: ميدان عبد المنعم رياض، والمتحف المصري، وميدان التحرير، بالإضافة إلى مبنى جامعة الدول العربية، وفندق سميراميس إنتركونتيننتال، والجامعة الأمريكية. لقد حظيت بفرصة زيارة هذه الأماكن المتجاورة عدة مرات بعد ذلك.
منظر النيل في القاهرة يثير الدهشة والجمال، لا سيما في الليل، فقد أُحسِن استغلال كل جزء من ضفافه. إنه حقاً شريان الحياة الذي يغذي القاهرة بل ومصر بأكملها. مدينة القاهرة بتاريخها العريق تستحق أكثر من مئات الصفحات لوصفها، ولا يمكن أن يمل المرء من الحديث عنها.
بعد رحلة طويلة، وصلنا أخيراً إلى محطة رمسيس (محطة مصر)، والتي تُعتبر القلب النابض لشبكة السكك الحديدية المصرية. هذه المحطة، الواقعة في وسط البلد، تعد من أكبر محطات القطارات في أفريقيا والشرق الأوسط، وهي تستقبل القطارات من كل أنحاء البلاد. إنها خلية عمل لا تهدأ، كما أنها تُسهم بشكل كبير في إيرادات الدولة.
في هذه المحطة، تمر حركة القطارات بوتيرة متقاربة، بين كل ربع وثُلث ونصف ساعة. جميع القطارات حديثة، ويُعتنى بها بصيانة دورية، وتُستبدل بالموديلات الأحدث عند الضرورة. ضخامة هذه المحطة لم تفاجئني، ونتمنى رؤية مثلها في باقي دول المنطقة.
القاهرة ولياليها
ترجلنا من القطار في هدوء، وكان في استقبالنا صديقي شرف الدين سعيد، الذي ينتظرنا بالقرب من مسجد النور الشهير في وسط البلد. هو من أبناء أردوان المحسّ ويقيم في القاهرة منذ سنوات، وقد جاء إليها بهدف السفر إلى أمريكا، لكنه لم يحقق ذلك، فتولى العمل في تأجير الشقق. تعرفت عليه عن طريق أحد أقاربي.
بعدما تصافحنا، اتجهنا مباشرة إلى محطة مترو الأنفاق (حسني مبارك سابقاً، محطة الشهداء حالياً). ولأول مرة في حياتي أرى المتـــرو علناً فقد رأيته عبر الأفلام والمسلسلات المصرية وعبر وسائل الإعلام المختلفة.
عند الاقتراب من محطات المترو، ستجد كلمة Metro الفرنسية على لافتات مضيئة قرب المداخل الرئيسية. عادةً ما تحتوي المحطات على أربع مداخل، ولا تقع جميع المحطات تحت الأرض كما يعتقد البعض، فبعضها مفتوح، خصوصًا تلك التي تبعد عن قلب المدينة.
يمتد خط مترو تحت مياه نهر النيل، رابطًا بين محطة السادات في ميدان التحرير بالضفة الشرقية ومحطة الأوبرا في منطقة الجزيرة، قبل أن يصل إلى الضفة الغربية محافظة الجيزة.
تنقلنا بين ممرات وردهات وسلالم هذا المشروع الكبير، حيث اقتنينا التذاكر الصفراء المخططة بالأسود، والتي تُستخدم لرحلة واحدة فقط، وكان ثمن كل تذكرة جنيهًا واحدًا فقط.
لم ننتظر طويلاً على رصيف المحطة؛ فقد وصل قطار المترو السريع بعد خمس دقائق تقريبًا. بعد لحظات، ركبنا القطار الذي كان مزدحمًا بالركاب. يسير القطار بسرعة كبيرة، وعادة ما يتوقف في كل محطة لمدة دقيقتين تقريبًا.
من يريد النزول يقترب من البوابات وينزل مسرعًا، ومن يريد الصعود يقف على حافة الرصيف. العملية منظمة، والركاب يعرفون كيف يتصرفون.
كان مترو القاهرة يتألف حينها من خطين: الخط الأول (المرج - حلوان) الذي افتتحت مرحلته الأولى في 1987، والخط الثاني (شبرا - الجيزة) الذي افتتح في 1996. يعمل المترو يوميًا من 5:15 صباحًا حتى منتصف الليل دون أي تغيير في مواعيده.
بالإضافة إلى الخطين السابقين، يوجد خط مترو ثالث قيد الإنشاء حالياً، وهو خط (عدلي منصور - جامعة القاهرة / محور روض الفرج). وقد افتُتح جزء منه بالفعل في عام 2012، ومن المتوقع أن يكتمل العمل فيه بشكل نهائي بحلول عام 2024.
تخطط الحكومة المصرية لإنشاء خطوط مترو إضافية، ما سيجعل مجموع الخطوط في المستقبل ستة خطوط. وبإتمام هذه المشاريع، سيساهم ذلك بشكل كبير في تقليل الازدحام في القاهرة الكبرى.
بعد محطات معدودة، غادرنا المترو في محطة محمد نجيب، التي تقع مباشرة أسفل ميدان محمد فريد في وسط البلد. أصدقائي كانوا يقيمون في حي عابدين المعروف.
تحديدًا في شارع محمد محمود الذي ذاع صيته في ثورة 25 يناير، وأطلق عليه الناس اسم "أحداث محمد محمود". هذا الشارع له أهمية كبيرة لأنه يربط بين شارع محمد فريد وميدان التحرير.
وصلنا إلى الحي الصغير المعروف باسم البلاقسة، وهو تابع لحي عابدين. الشارع المؤدي من شارع محمد فريد إلى شقتنا يحمل اسم الحي نفسه، شارع البلاقسة. الحي عتيق وشوارعه ضيقة، ويقطنه السكان القدامى منذ زمن طويل.
أثناء جولتي، لفتت نظري المباني الأثرية التي تروي قصصاً عن تاريخ هذه المدينة العريقة، مما منحها طابعاً فريداً عن غيرها من المدن. في هذا الحي، تتجاور المقاهي والمطاعم المتنوعة مع محلات السوبر ماركت، والمكتبات، ومقاهي الإنترنت، ومحلات الجزارة، والخضروات، والفواكه وما إلى ذلك. باختصار، يمكنك الحصول على كل ما تحتاج إليه دون أي جهد.
كان المبنى الذي يضم الشقة عادياً وقديماً، ويتألف من ثلاثة طوابق. على عكس ما هو شائع في وسط البلد، كانت مساحة الشقة كبيرة، حيث تضمنت ثلاث غرف نوم وصالة ومطبخاً وحماماً. كانت الشقة في الطابق الثاني الذي لم يكن به مصعد.
في ذلك الوقت، لم يكن الإيجار الشهري للشقة يتجاوز 1200 جنيه مصري، وهو مبلغ كان يُعدّ معقولًا بالنظر إلى موقعها ومواصفاتها، فمن يسكن في وسط البلد كأنه يقطن في قلب القاهرة النابض بالحياة.
تتأثر أسعار الإيجارات الشهرية للشقق في مدن مثل القاهرة والإسكندرية بشكل كبير بعدة متغيرات. يأتي في مقدمة هذه المتغيرات مساحة الشقة ونوعها، وكذلك موقع المبنى.
تلعب الخدمات المصاحبة للشقة دورًا رئيسيًا في تحديد قيمة الإيجار، بدءًا من توافر المصاعد وأجهزة التكييف وحتى خدمات حارس العقار. كما تؤثر جودة الأثاث، وكفاءة الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، وخدمة الإنترنت، بالإضافة إلى مبلغ التأمين المطلوب من المستأجر، في تحديد السعر النهائي.
عادةً، تخضع الإيجارات هناك لما يُسمى بالقانون الجديد. وتُؤجَّر الشقق إما بشكل يومي، أو أسبوعي، أو شهري، أو بعقود إيجار طويلة الأمد. أما إذا كنت تمتلك شقة خاصة في القاهرة أو الإسكندرية، فستكون محظوظًا للغاية.
في الشقة، استقبلنا صديقنا جبريل مصباح، وهو نوبي من كرمة بالسودان. كان جبريل قد قدم إلى مصر بهدف السفر إلى كندا، لكن لم يحالفه الحظ، ويُعتقد أنه يقيم حاليًا في السعودية.
كانت الشقة عبارة عن تجمع شبابي نشط وحيوي، حيث كان الكلام والدردشة لا يتوقفان، والتلفاز يعمل في الخلفية. البعض كان منشغلاً بأجهزة الكمبيوتر، بينما كان هناك مجموعة من الشباب شغوفين بلعبة الكوتشينة.
توطدت علاقتي خلال تلك الفترة بمجموعة من الشباب، بعضهم كان يشاركني الإقامة والبعض الآخر كان يزورنا بانتظام. ومن بين هؤلاء الأصدقاء: هشام موسى، ومؤيد سعيد، وعصام محجوب (قاشا)، ونايف ورامي عباس، وماجد حسس، وماجد الحلفاوي، وميرغني حسن، والعازف ميمي، ووليد ميرغني سيد أحمد، وناصر نصر، ومجاهد بلال.
في ليلة وصولي، استقبلت زيارة من قريبي وجاري محمد زمراوي إبراهيم (حمو جدع)، الذي قدم مع صديقه الدكتور أسامة، وهو من حي الرياض بالخرطوم. كانا في ذلك الحين يسكنان في حي المنيب، والذي يمثل تقريباً محطة النهاية لخط المترو في الجيزة.
كان من الغريب أن يدرس في الجامعة الأمريكية بوسط البلد، لكن سرعان ما زالت دهشتي عندما عرفت أن محطة المترو تقع مباشرة تحت المبنى الذي يسكنه، مما يجعل وصوله إلى محطة السادات، الأقرب للجامعة، سهلاً ومريحاً.
بعدما ارتحت قليلاً، أوصلت صديقي ياسر إلى شارع مجلس الأمة، حيث كان ينتظره عمه الذي قدم من ليبيا وكان مريضًا، ولكنه تعافى بعد ذلك. قرر ياسر البقاء مع عمه، لكنه عاد إلينا بعد ثلاثة أيام، حيث سافر عمه وأسرته إلى أسوان بعد شفائه.
في مساء نفس الليلة، خرجت برفقة محمد زمراوي والدكتور أسامة متجهين إلى المقاهي الشهيرة بوسط البلد، لا سيما في شارع 26 يوليو، الشارع الذي غالبًا ما يظهر في الأعمال التلفزيونية والسينمائية ووسائل الإعلام المصرية.
هذا الشارع الحيوي يتقاطع مع عدد من الشوارع البارزة في قلب القاهرة. ومن معالمه المتميزة: دار القضاء العالي وسينما ريفولي، والتي تعرضت للحرق أثناء حريق القاهرة في خمسينيات القرن العشرين، قبل أن يتم ترميمها لاحقًا.
جلسنا في مقهى مجاور لمقهى أم كلثوم، ودار بيننا حديث شيق. كنت حريصاً على الاستفسار منهم عن أبرز معالم القاهرة وطرق الوصول إليها، لأن شهر رمضان كان على وشك الحلول، وتخف معه حركة الناس تدريجياً. وقد زودوني بمعلومات قيمة ساعدتني لاحقاً.
حقاً، القاهرة مدينة نابضة بالحياة، لا تتوقف حركتها أبداً. عندما تنظر إلى مبانيها الأثرية العريقة، ومساجدها، وكنائسها، وطرازها المعماري الذي يعود لآلاف السنين، ستلمس بنفسك عظمة هذا البلد وتاريخه.
لا يوجد مبنى بلا تاريخ أو قصة، فكل بناء يحمل في طياته أسراراً من العصر الذي بُني فيه. ستجد هناك مزيجاً فريداً من الطرز المعمارية، حيث تتجاور المباني الحديثة مع تلك التي تعود للعصور المملوكية والعلوية والإنجليزية، في حين أن الأغلبية الساحقة من المباني تعود إلى العصر العثماني.
أما في القاهرة الإسلامية، فتتعانق فيها العمارة الفاطمية والأيوبية والطولونية والإخشيدية، إلى جانب غيرها من الطرز المميزة. وحتى الحملة الفرنسية، رغم قصر مدتها، لم تترك المدينة على حالها.
عندما عدتُ إلى شقتنا مع أصدقائي في الواحدة صباحًا، ساورتني فكرة أنني تأخرت. لكنهم طمأنوني بأن السهر في القاهرة يستحق، وأنهم لن يخلدوا للنوم قبل الرابعة. بالفعل، كيف ينام المرء وأسواق المدينة الشهيرة، خاصةً في وسط البلد كالعتبة والموسكي ووكالة البلح، لا تغلق أبوابها أبدًا؟
قبيل أن يغلبني النعاس، استعرضتُ في ذهني رحلتي التي دامت عشرة أيام، والتي بدأت من الخرطوم، عابرةً وادي حلفا وبحيرة النوبة، وصولًا إلى أسوان، ومنها إلى مدن صعيد مصر، حتى انتهت في القاهرة. كانت رحلةً لا تُنسى، حافلةً بالجمال والمغامرة.
في صباح اليوم التالي، اقترح عليّ صديقي ياسر الذهاب إلى أسواق وسط البلد، فوافقت على الفور لأنني كنت أتوق لاستكشاف تلك المنطقة. وخلال تجوالنا، كنت أمعن النظر في المباني التاريخية وأقرأ عن ماضيها، وقد كانت حقًا كما تخيلتها: مبانٍ عريقة تحمل في طياتها عبق الماضي.
وسط البلد منطقة صاخبة ومزدحمة بالناس والمركبات والأسواق والمباني، لكنها تتيح سهولة الوصول إلى كل شيء. رافقت صديقي ياسر إلى سوق الموسكي، الواقع في العتبة بوسط البلد، وهو من الأسواق التاريخية الشهيرة.
تعود تسمية سوق الموسكي إلى الأمير عز الدين موسك، أحد أقرباء السلطان صلاح الدين الأيوبي، الذي بنى جسرًا يحمل اسمه. ولهذا السبب، أُطلق اسم الموسكي على الحي الذي يقع فيه السوق.
هذا السوق ينبض بالحياة، ويعج بالناس؛ فهو وجهة رئيسية لتجارة الأقمشة، ولعب الأطفال، ومستلزمات الأسر. يشارك فيه الجميع في العمل، رجالًا ونساءً، وهناك متاجر كاملة تديرها سيدات، فنمط الحياة السريع في القاهرة يجعل من الضروري على أفراد الأسرة التكاتف معًا لتسيير أمورهم.
في طريق العودة بعد أن أتممنا حوائجنا، مررنا بالقرب من قصر عابدين وميدانه المعروف. يُعتبر القصر تحفة معمارية رائعة، ومن أشهر القصور التي شُيّدت خلال حكم أسرة محمد علي باشا لمصر، وقد كان مقراً للحكم من عام 1872 حتى عام 1952.
تظل القاهرة مدينة لا يمكن وصفها بالكلمات، فهي وجهة سياحية متكاملة، حيث تقدم لزوارها كل ما يشتهون. فيها آثار فرعونية راسخة، وأسوار تاريخية تعود إلى العصور الإسلامية، ومواقع دينية تعكس التنوع الثقافي بين الإسلام والمسيحية واليهودية.
العاصمة المصرية غنية بالمنشآت الثقافية والمراكز التجارية الكبرى والصروح الرياضية. كما أنها تزخر بمئات القصور والمساجد والكنائس والبوابات التاريخية والمباني العريقة، بالإضافة إلى العديد من الأماكن الفنية والمسارح، وعلى رأسها دار الأوبرا.
كنت أتنقل في شوارع القاهرة برفقة أصدقائي شرف وياسر، ولاحقًا مع صديقي جاسم الشيخ، مستكشفًا كل زاوية وشارع قبل رمضان، وأثناءه، وبعده. لم أترك أي مكان للصدفة، فلكل زاوية وطابعها الخاص، وكنت حريصًا على تدوين كل ما أراه وأشعر به، لتظل الذكريات حية ومكتوبة.
أتذكر أنني استفسرت في دار الأوبرا عن سعر تذكرة عرض "نيران الأناضول"، فأخبرني الموظف أنها تبلغ ثلاثمائة جنيه، وهو مبلغ باهظ حتى بالنسبة لبعض الأثرياء في عام 2010.
يوميًا كنت أقتني صحيفة «المصري اليوم» لميلها للمعارضة، بعكس الصحف الكبرى القديمة مثل الأهرام والأخبار وأخبار اليوم، التي كانت مؤيدة لسياسات الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك.
من المقاهي التي اعتدت زيارتها: مقهى الكرنك بشارع محمد محمود، ومقهى آخر يطل على ميدان التحرير كان صاحبه نوبيًا ويتسم بتعامله الراقي، بالإضافة إلى مقهى جيجي في وسط البلد، حيث كان يعمل به شاب سوداني. كانت هذه الزيارات غالبًا برفقة صديقي جاسم الشيخ.
مقهى إنشراح بشارع محمد فريد يظل في ذاكرتي، فهو مكان تجمع السودانيين والنوبة المقيمين في منطقة عابدين، وكذلك القادمين من سوق الاثنين وشارع مجلس الأمة وشارع الشيخ ريحان وشارع خيرت وحتى شارع بور سعيد.
عند الجلوس في المقهى، عليك أن تطلب طلبًا مبدئيًا، كأحد المشروبات التقليدية كالقهوة أو الشاي أو السحلب، أو ربما شيشة. بعدها، تتنوع خيارات التسلية المتاحة، فبإمكانك مشاهدة التلفزيون، أو اللعب بـ الدومينو (الضومنة) أو الطاولة، أو استخدام الإنترنت عبر الواي فاي.
لا شك أن المقاهي المصرية تجمع كل فئات المجتمع، من المهندسين والمفكرين إلى الطلاب والعاطلين والأطباء والمحامين والصحفيين وغيرهم من المهنيين. الجميع يقضي وقتًا ممتعًا فيها، والطلبات بأسعار في متناول اليد.
بصحبة صديقي ياسر، تجولت لمدة أربعة أيام في وسط البلد، وتحديدًا في العتبة والمناطق المجاورة لها، القريبة من حي عابدين الذي نسكن فيه. وتعد العتبة منطقة غنية بالتفاصيل، لا سيما سور الأزبكية، السوق الأشهر للكتب والمجلات المستعملة بشتى مجالاتها.
في العتبة، يُعد مطعم السودان من أبرز الأماكن التي يجتمع فيها السودانيون لتناول الأكلات السودانية، ويقع بالقرب منه مطعم الخرطوم. كما انتشرت مؤخرًا عدة مقاهي ومطاعم سودانية في العتبة، وعابدين، والسيدة زينب، وأرض اللواء، ومنطقة فيصل.
إذا رغبت في تناول الفول والطعمية، فمن الأفضل التوجه إلى العربات المتحركة، فهي غالبًا أفضل من المطاعم الثابتة، حيث تقدم الفول والطعمية (الفلافل) طازجة.
الإسكندرية عروس المتوسط
مع مرور الأيام، كان إعجابي بمصر يتنامى، ولم أشعر بمرور الوقت أثناء تجوالي في أغلب معالم القاهرة ومناطقها. وحان وقت زيارة عروس البحر الأبيض المتوسط، الإسكندرية، وكنت مصممًا على زيارتها مهما كان الثمن.
"من لم يزر الإسكندرية لم يزر مصر أبدًا." لم تكن هذه المقولة مجرد كلمات بالنسبة لي، بل تجربة عشتها بنفسي. عندما أخبرني صديقي شرف بأنه بحاجة للذهاب إلى الإسكندرية لإنهاء بعض أعماله ولم يكن لديه مرافق، لم أتردد في الموافقة لأكتشف سحر عروس البحر المتوسط بنفسي.
قبل رحلتنا إلى الإسكندرية، كان صديقي ياسر قد سافر إلى أسوان قبل بداية شهر رمضان بفترة قصيرة. لذا، صرت ألازم صديقي شرف الدين في كل جولاته، فقد كنت عازمًا على استغلال كل لحظة لاستكشاف معالم مصر.
على كل حال، كان أمامنا يومان فقط، حيث كان شهر رمضان يقترب بسرعة. كالعادة، صعدنا على المترو من محطة محمد نجيب حتى محطة الشهداء، التي تقع بجوار محطة مصر للقطارات (رمسيس).
لم نشأ الذهاب إلى تلك المدينة الساحرة بالقطار في المرة الأولى، بل فضلنا الميكروباص (حافلات صغيرة) عبر الطريق الصحراوي بين القاهرة والإسكندرية.
تحركت الحافلة الصغيرة، وهي في حالة ممتازة من حيث النظافة والتهوية الجيدة. لا أستطيع أن أحدد سعر التذكرة بدقة، لكنها كانت معقولة في حدود خمسة وعشرين جنيهًا للفرد.
بعد دقائق قليلة اجتزنا مدينة القاهرة، واتجهت بنا الحافلة الصغيرة نحو الطريق الصحراوي، ووصلنا إلى مدينة ومحافظة 6 أكتوبر غرب القاهرة.
تُعد مدينة 6 أكتوبر من المدن الحديثة التي تأسست بقرار رئاسي من الرئيس السادات عام 1979. كان الهدف الرئيسي من إنشائها هو استيعاب الزيادة السكانية المتزايدة وتخفيف الازدحام عن العاصمة. وتوفر هذه المدينة لسكانها جميع المرافق والخدمات الأساسية، وتشتهر بضمها لأحياء راقية كمدينة الشيخ زايد، بالإضافة إلى القرية الذكية.
القرية الذكية (Smart Village) هي مركز أعمال وتكنولوجيا أسس عام 2000، وتقع في منطقة أبو رواش بالجيزة. تديرها شركة تنمية وإدارة القرى الذكية، وتضم شركات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والمصالح الحكومية المرتبطة بها.
بمجرد أن عبرنا حدود محافظة 6 أكتوبر، وجدنا أنفسنا في محافظة القليوبية. وللأمانة، لم يكن هناك أي شيء يشير إلى وجود صحراء؛ فكل ما رأيته كان مساحات واسعة من الأشجار الخضراء التي تتخللها القرى، مما جعلني أدرك أن مفهوم الصحراء كان موجودًا في ذهني فقط.
يعد الطريق الصحراوي طريقًا دوليًا واسعًا، ولكل اتجاه للسير مساره الخاص؛ فالذاهب إلى الإسكندرية يسير في خطه، وكذلك القادم من الإسكندرية إلى القاهرة، وذلك تفاديًا للازدحام والحوادث.
بعد حوالي ساعتين، وصلنا مشارف الإسكندرية، وبعد اجتيازنا نقطة التفتيش، دخلنا الضواحي والأحياء الجنوبية للمدينة، ومررنا بشوارعها الرائعة، والقرى السياحية الكبيرة، وأسواق كارفور الحديثة.
المناخ في الإسكندرية عند دخولنا كان مميزًا، رطبًا مع بعض البرودة رغم حرارة الصيف، ووصلنا بعد ذلك إلى محطة الحافلات الواقعة بالقرب من محطة سيدي جابر الشهيرة.
أول ما جذب انتباهي في الإسكندرية هو الترام الشعبي، وسيلة نقل رسمية لكنها لا تغطي كل المدينة. وكانت التذكرة في ذلك الوقت تكلف 25 قرشًا فقط، أي شبه مجانية، والترام يسير ببطء شديد على خطوط حديدية قديمة وبسيطة.
لم أفوّت فرصة إلقاء نظرة متأنية على المدينة التاريخية، فأجزاء كبيرة منها مبنية على الطراز الإغريقي والروماني، إلى جانب الطراز القبطي وبعض الطرازات الإسلامية والحديثة المنتشرة هنا وهناك.
عروس المتوسط، الإسكندرية، تختلف تمامًا عن القاهرة، وسكانها متنوعون بين الإغريق والأقباط والإيطاليين والأوروبيين والعرب والمصريين. المدينة تضم حدائق خضراء، وأجواءً منعشة، ومؤسسات قديمة، إلى جانب مساجد وكنائس وأحياء جميلة.
الإسكندرية تمنحك شعورًا وكأنك تتجول في إحدى دول البحر المتوسط الأوروبية، بشوارعها النظيفة وحدائقها المنتشرة في كل مكان. إنها مدينة مرتبة وجميلة، وتفرض على الزائر احترامها منذ الوهلة الأولى، وكل شيء فيها هادئ ومنسق بعناية.
ذهبنا لزيارة منزل أحد أقاربي في حي محرم بك. الشقة كانت في ملكية عمي الراحل كمال (رحمه الله) قبل أن يبيعها لاحقًا. فوجئت بالشقة عند زيارتها، إذ تقع في الطابق الخامس تقريبًا، بلا مصعد كهربائي، وهي شبه مغلقة وتفتقر إلى الشرفات تقريبًا.
أدركت حينها سبب بيع الشقة، وهو نفس السبب الذي دفع قريبي الآخر إلى بيع شقته لاحقًا. ورغم ذلك، يبقى بيع الشقق في مصر، من وجهة نظري الشخصية، أمرًا لا يمكن غفرانه.
بعد استراحة قصيرة، زرنا منطقة خالد بن الوليد وشارعها الشهير، الحيوي والمليء بالمتاجر التي يعتمد عليها الكثير من سكان الإسكندرية لكسب رزقهم. ثم واصلنا رحلتنا نحو حي العصافرة الساحلي الجميل في شرق المدينة.
كان لنا أيضًا أصدقاء في العصافرة، ومن أبرزهم الباشمهندس أسعد من منطقة السكوت. رافقنا خلال الرحلة البحرية بين وادي حلفا وأسوان، ثم ودعناه عند محطة أسوان للقطارات، حيث كان بصحبة والديه، وكان معنا أيضًا صديقنا أحمد صالح (تينا).
قررت البقاء معهم تلك الليلة، واستقبلوني بترحيب كبير. وعقب صلاة المغرب، قررنا الذهاب إلى شاطئ العصافرة، وهناك شاهدت لأول مرة في حياتي البحر الأبيض المتوسط، أو بحر الروم كما كان يُسَمَّى في الماضي.
في مقهى "ميلانو" المطل على شاطئ العصافرة بالإسكندرية، جلسنا نستمتع بالمشروبات المختلفة من مصرية وغربية وشرقية، وأصوات أمواج البحر الأبيض المتوسط تتردد في أذاننا، وهي تتراقص برقة على الرمال الساحرة. لم نحس بمرور الوقت، وعُدنا إلى الشقة عند إشراقة الفجر.
استغللنا صباح اليوم التالي في التجول بين شوارع الإسكندرية القديمة والاستمتاع بشواطئها الساحرة. وفي المساء، اضطررنا للعودة إلى القاهرة، فقد أعلنت جميع القنوات الإعلامية بدء شهر رمضان في اليوم التالي.
عدنا عبر نفس الطريق الصحراوي الذي جئنا منه، ولكننا كنا متفقين على ضرورة العودة لقضاء وقت أطول في المدينة خلال عطلة عيد الفطر؛ لأن يومين فقط لا يكفيان أبدًا لاستكشاف كل ما فيها.
حينها، اتفقنا على العودة إلى الإسكندرية قريبًا لقضاء أسبوع كامل فيها، أو خمسة أيام على الأقل. وقررنا أن يصحبنا في هذه الرحلة أصدقاؤنا الشباب الذين يشاركوننا السكن في حي عابدين بالقاهرة. وفي ليلتها، عدنا جميعًا عبر الطريق الصحراوي بين القاهرة والإسكندرية.
بصراحة، لم يتح لي الوقت الكافي للاستمتاع بأجواء الإسكندرية هذه المرة. إلا أن ذلك لم يمنعني من التخطيط لزيارة أخرى في أقرب فرصة، لأتفرغ لاكتشاف سحر هذه المدينة الأنيقة ذات الطابع الأوروبي.
رمضان والقاهرة
شهر رمضان في القاهرة مميز بفوانيسه المنتشرة، وصوت المسحراتي، ورائحة الحلويات، وتنتشر الخيام الرمضانية بين الأحياء والفنادق لتقديم الأطباق المصرية والشرقية والعروض الفنية، فيما تزين الزينة الرمضانية الشوارع والأزقة، محافظةً على جاذبيتها في الشهر الكريم والأعياد الكبرى.
خلال رمضان، تتناغم البهجة الرمضانية مع الأجواء الروحانية، وتستقبل القاهرة زوارها من مختلف الجنسيات والديانات، حيث يحرص المصريون على ابتكار أجواء احتفالية مبهجة.
يُستحسن أن يبدأ السائح جولته بعد الإفطار في خان الخليلي، الذي يعود تاريخه إلى نحو 600 عام، وتحديدًا إلى عصر المماليك. ومن تعب من مشاهد القاهرة الرمضانية وأجوائها النابضة بالحياة، فليأخذ لحظة راحة ويتجه إلى مقهى "الفيشاوي" العريق، الذي أسسه فهمي علي الفيشاوي عام 1798م، ليغمره عبق التاريخ وروح المكان.
الحديث يطول ويطيل عن شهر رمضان الفضيل. وفي كل تنقلاتي هذه، كان معي صديقي جاسم الشيخ، وهو خبير بالأحياء والمعالم المصرية الحيوية، وذلك بحكم تواجده المستمر في القاهرة كطالب في الجامعة الأمريكية.
تُعتبر جمعية "صاي" السودانية، التي تأسست عام 1914م، من أقدم المؤسسات النوبية الموجودة في حي عابدين بوسط القاهرة. كانت بناية الجمعية تلاصق تمامًا المبنى الذي كنا نعيش فيه.
يُقيم العديد من النوبيين من مصر والسودان في منطقة عابدين. وكان معظمهم يعمل في قصر عابدين في عهد الأسرة العلوية، حيث عُرفوا بأخلاقهم العالية وأمانتهم وإتقانهم لعملهم.
وتقديرًا لجهودهم، كوفئوا بتمليكهم الكثير من العقارات في وسط البلد، ولذلك نجد العديد من جمعياتهم منتشرة في هذه المنطقة، وعلى رأسها جمعية أبو سمبل في شارع محمد فريد.
كنت أزور أحيانًا مقهى إنترنت ذا طابقين قريبًا من شقتنا، وكان ملكًا لرجل سوداني من منطقة المحس، يقيم هو وعائلته في نفس العمارة التي يملكها. كان اسم المقهى "الطيب نت"، وقد أغلق لاحقًا.
مرّ علينا العيد بهدوء، ولم نتجول كثيرًا في مساجد مصر العريقة، حتى أننا فوتنا صلاة العيد لأول مرة في حياتي. رغم ذلك، كان تفكيرنا كله منصبًا على رحلتنا إلى الإسكندرية، وقررنا السفر في رابع أيام عيد الفطر المبارك.
إسكندرية يا مرية
انتظرت اليوم الرابع من عيد الفطر بفارغ الصبر، وقرّرنا الذهاب أنا وصديقي محمد حاج همت (حمو حاج)، قبل الأصدقاء الآخرين إلى الإسكندرية، لأنهم كانوا مترددين بين الذهاب إلى منطقة العين السخنة في البحر الأحمر أو إلى الإسكندرية.
الرأي الغالب كان التوجه إلى الإسكندرية وقضاء عدة أيام هناك، إذ أن الذهاب إلى العين السخنة يعني العودة في نفس اليوم، وهذا لم نرغب به. لذا اقترحت على صديقي أن نذهب بالقطار، حيث أن السفر بالقطار تجربة مختلفة تمامًا عن السفر بالحافلات الصغيرة عبر طريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي.
بعد شراء التذاكر بسهولة، انتظرنا قطار القاهرة - الإسكندرية، الذي وصل وغادر في الموعد المحدد بدقة. كنت متحمسًا لرؤية دلتا النيل ومحافظات الوجه البحري التي سيمر بها القطار.
اجتاز القطار مدينة القاهرة الكبرى، ثم وصلنا إلى محافظة القليوبية، حيث توقفت رحلتنا أولًا في مدينة بنها. بعد ذلك، تابعنا مسيرنا نحو محطة طنطا، المعروفة باسم "بلد الأوانطة"، وهي مدينة كبيرة ومشهورة، وتتميز بكثافة سكانية مرتفعة.
مررنا بمحطتي دمنهور وكفر الدوار، وهما مدينتان تتميزان بالجمال والنظافة. ما يجمع بينهما هو طبيعتهما الزراعية البحتة، فالمساحات الخضراء والمياه الوفيرة لا تُفارق الأفق. يشتهر سكان هذه المناطق بأنهم المزارعون الأوائل في مصر، حيث تشكل الزراعة محور حياتهم ومصدر رزقهم الوحيد.
بعد اجتيازنا كل تلك المحطات، وصلنا إلى محطة سيدي جابر الشهيرة في الإسكندرية في المساء، وهي المحطة الرئيسية للقطارات في المدينة وتقع في حي سيدي جابر في وسط الإسكندرية الحديثة.
تمر من خلال محطة سيدي جابر قطارات المسافات الطويلة إلى القاهرة وبعض المدن المهمة، إلى جانب القطارات الداخلية على خط أبو قير، الذي يربط محطة الإسكندرية بمدينة أبو قير شرق المدينة.
استأجرنا سيارة أجرة خاصة بالإسكندرية بعد ترتيب مسبق، نظرًا لوجود سيارات أخرى تعمل بالعداد. وصلنا إلى منطقة خالد بن الوليد وبحثنا كثيرًا عن شقق للإيجار، إلا أننا لم نتمكن من الاتفاق مع أي من أصحاب الشقق أو السماسرة.
لم نتردد في الذهاب إلى حي العصافرة بناءً على اقتراحي، فقد كنتُ قد زرته مؤخرًا. وجدنا شقة رائعة في المنطقة، وإن كانت ليست على الواجهة البحرية، إلا أنها كانت قريبة منها، في الناصية الثانية.
أذكر أننا استأجرنا الشقة من سيدة من محافظة كفر الشيخ، بسعر سبعين جنيهًا لليوم الواحد. الشقة كانت في الطابق الثالث، ولم يكن بها مصعد كهربائي.
وعلى النقيض، كانت أسعار الشقق المطلة على البحر مباشرة في مناطق مثل سان ستيفانو وخالد بن الوليد والمنتزه ومارينا والعصافرة نفسها، تتجاوز مئتي جنيهًا في اليوم، وتتفاوت بحسب جودة الشقة والخدمات المتوفرة.
ببعد أن جهزنا الشقة ونظفناها بعناية، تحركنا إلى البحر المتوسط للاستمتاع بسحر أجواء الإسكندرية، قبل وصول باقي الأصدقاء في اليوم التالي.
قمتُ أيضًا بتأجير شقة مجاورة لأقربائي، وتحديدًا لصديقي مصعب علي عوض ووالديه (رحمهما الله). كان اختيارهم الإسكندرية لقضاء يومين قرارًا موفقًا، حيث أرادوا الاسترخاء بعيدًا عن ضغوط الحياة في القاهرة. من حسن حظهم، كانت البناية التي أقاموا فيها مزودة بمصعد كهربائي، مما يسّر عليهم الصعود والنزول.
لم نضيّع صباح اليوم التالي، بل ذهبنا لاستكشاف المطاعم ومحلات الحلوى والشواطئ في المنطقة. كانت كل وجهة نزورها تفوق جمال الأخرى. تتميز الإسكندرية بجمالها في فصل الصيف، فهي مقصد للسياح والمصريين من كافة المحافظات، مما يضفي عليها حيوية خاصة.
وصل أصدقاؤنا في نهاية اليوم التالي، فقضينا بقية الوقت معًا في الشقة. وضعنا خطة اليوم التالي وقررنا أولًا زيارة قلعة قايتباي الشهيرة، التي بُنيت على أنقاض فنار الإسكندرية التاريخي.
بالفعل، توجهنا إلى القلعة في حافلة سياحية مكشوفة السقف، صُممت خصيصًا لجولات مميزة عبر أهم معالم الإسكندرية المطلة على البحر الأبيض المتوسط. كل ذلك مقابل ثلاثة جنيهات فقط، وهو ثمن رمزي أتاح لنا فرصة استكشاف هذه المعالم الساحرة، حيث عشنا هناك لحظات ممتعة لا تُمحى من الذاكرة.
بعد ذلك قررنا زيارة مكتبة الإسكندرية العملاقة، ويا لها من تحفة معمارية وثقافية فريدة! إنها بحقّ صرح يستحق المكانة التاريخية المرموقة التي حظي بها، إذ شُيّدت في عهد بطليموس الثاني في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد، بين عامي 285 و247 ق.م.
خلال الأيام التالية، انطلقنا في جولات واسعة داخل الإسكندرية، فزرنا أحياءها العريقة ومراكزها التجارية والثقافية المميزة. استمتعنا بالتنقل بين أسواقها الشعبية وحدائقها الغنّاء ومساجدها التاريخية، مرورًا بشواطئها الجميلة ومطاعمها المتنوعة وأنديتها الرياضية ومعالمها السياحية التي تزين كل ركن من أركانها.
إذا سنحت لك الفرصة لزيارة الإسكندرية، فاجعل من معالمها الشهيرة محطات لا بد من المرور بها. تأمل عمود السواري المهيب، واكتشف روائع الحضارة في المتحف اليوناني الروماني ومتحف الإسكندرية القومي. استمتع بجمال متحف المجوهرات الملكية وزُر متحف كفافيس ومتحف البرديات.
لا تفوّت جولة في متحف ومعهد الأحياء المائية بالأنفوشي، واستكشف المسرح الروماني وجبانة كوم الشقافة ومعبد الرأس السوداء ومقبرة اللاتين. ولعشاق الروحانية، فإن مسجد المرسي أبو العباس يُعد تحفة معمارية لا تضاهى. في كل ركن من الإسكندرية قصة، وفي كل معلم منها تاريخ ينبض بالحياة.
العودة للقاهرة مرة أخرى
بعد قضاء أسبوع ممتع في أحضان مدينة الإسكندرية الساحرة، حملنا حقائبنا وعدنا إلى القاهرة. وللمرة الثانية، قررنا السفر عبر طريق الإسكندرية – القاهرة الصحراوي، بينما كنا نسترجع تفاصيل رحلتنا المدهشة طوال الطريق.
واصلتُ زياراتي لمعالم القاهرة المختلفة برفقة صديقي جاسم الشيخ، إذ أقمتُ في القاهرة بعد عودتي من الإسكندرية لأكثر من شهرين ونصف، وهي مدة ليست بالقصيرة لزيارة معظم معالم المدينة. وصراحة، لم نترك شيئًا للصدفة قط.
لم يمضِ وقت طويل حتى انضم إلينا قريبي عليش عبد المجيد. وبإصرار منه، استأجر شقة قريبة منا في وسط القاهرة، وتحديدًا في عمارة 50 الشهيرة بشارع محمد فريد، بالقرب من سوق الإثنين.
تُعرف هذه العمارة بضخامتها، فهي تتألف من حوالي عشرة طوابق، يضم كل منها أربع شقق. تُعتبر من أبرز معالم وسط البلد، وتتميز بأسعارها المناسبة، ويقطنها عدد كبير من الأسر السودانية.
عادةً ما يفضّل المصريون تأجير الشقق للسودانيين والأجانب، نظرًا لالتزامهم بدفع الإيجار بانتظام. ويبدأ اليوم الإيجاري عند الساعة الثانية عشرة ظهرًا وينتهي بعد 24 ساعة بالضبط.
لاحقًا، انضم إلينا علي، وهو صديق لجاسم من دولة مالي، وكان يقيم في حي الهرم بالجيزة. ومع ازدياد عدد أفراد مجموعتنا، كثّفنا جولاتنا في القاهرة لاستكشاف المزيد من معالمها.
كانت رحلاتنا تشمل مول سيتي ستارز، والشارع الصاخب في منطقة الهرم، وسينمات وسط البلد، إضافة إلى زيارة حديقة ماجيك لاند وغيرها من الوجهات الترفيهية.
في بعض الأوقات، كنت أتجول بمفردي، وزرت حدائق حيوانات الجيزة ونوادي الزمالك، الأهلي، والجزيرة. وكانت زيارة أهرامات الجيزة أمرًا لا بد منه، خاصة مع صديقي جاسم، فهي معروفة عالميًا وتُمثل رمزًا خالدًا لمصر.
بسبب انشغالي المتواصل في استكشاف القاهرة والإسكندرية، لم أتمكن من زيارة العديد من الوجهات السياحية الشهيرة في مصر مثل شرم الشيخ والأقصر والغردقة والعين السخنة وبورسعيد.
كان لدينا صديق من قنا يعمل كمرشد سياحي في شرم الشيخ، ودعانا كثيرًا لزيارته هناك، لكنني شعرت أن استكشاف أسوان والقاهرة الكبرى والإسكندرية وما بينهما يكفي تمامًا دون الحاجة للذهاب إلى شرم الشيخ.
السودان مرة أخرى
بعد انقضاء الأيام السعيدة والرائعة التي قاربت الأربعة أشهر في مصر، عدت إلى الخرطوم مرة أخرى عبر الخطوط الجوية الخاصة، والمعروفة باسم "صن إير"، وهي شركة طيران سودانية خاصة.
بسبب الإجراءات الروتينية المعتادة، انتظرنا حوالي أربع ساعات في صالة مطار القاهرة القديمة. ويجدر بالذكر أن المطار القديم ملاصق للمطار الجديد، والمقصود هنا الصالات والمحطات فقط، وليس مطارين منفصلين كما قد يظن البعض.
يصعب اختصار الحديث عن مطار القاهرة، فهو صرح دولي ضخم يعمل بأحدث التقنيات، وحركة الطيران فيه لا تهدأ. يستقبل المطار أعدادًا لا تحصى من السياح، والطائرات تهبط وتقلع منه على مدار الساعة.
قررت العودة إلى السودان لأن فرص السفر إلى أمريكا أو الدول الأوروبية عن طريق مصر كانت محدودة. ومع اقتراب عيد الأضحى، رجعت إلى السودان، وكان كل تفكيري مشغولًا بشمال الوادي.











تأسست شركة ايه بى سى للسياحة عام 2004 ترخيص رقم 1290 فئة ( أ ) سياحة عامة .. أكبر نسبة فوز في قرعة الحج وأفضل وأرخص رحلات الحج والعمرة .وحجز تذاكر الطيران ورحلات السياحة الداخلية والخارجية ، خبرة وأشراف على أعلى مستوى فى خدمة عملائنا الكرام.
ردحذفhttps://abctraveleg.com/
قصة خيالية ومشوقة ورائعة
ردحذفتستحق ان تكون فيلما سينمائيا
او مسلسلا جميلا أو كتابا مهما