الأحد، 24 سبتمبر 2017

ألم وصبر: قصص الأسر السودانية في مستشفى 57357 بالقاهرة

طفلة في الرابعة من عمرها ترحل عن الدنيا الفانية، وهي لم تعرف من الحياة شيئًا، تاركة وراءها والدها ووالدتها في حزن عميق ودموع غزيرة. فالمرض المدعو بالسرطان لا يفرق بين صغير وكبير، غني وفقير، متعلم وأمي، ولا يبالي بالأصدقاء أو الأعداء.


غادر صديقنا قاهرة المعز في نفس اليوم الذي وُريت فيه ابنته الصغيرة الثرى، متجهًا إلى السودان وهو غارق في الحزن، يتأمل آلام ابنته الوحيدة قبل رحيلها، خاصة حين كانت مريضة لا حول لها ولا قوة. ونحن، كأصدقاءه، لم نتركه وحده، وبذلنا كل ما في وسعنا لتخفيف آلامه وفقده الجلل؛ فالأيام وحدها كفيلة بتلطيف كربه العظيم.


عند زيارتنا لمستشفى 57357 الخاص بعلاج سرطان الأطفال، فور تلقي نبأ وفاة ابنته، صادفنا شخصين من السودان يقفان بجانبه، ولديهما أيضًا طفلان يرقدان في أسرّة المرض بهذا المبنى الذي أُقيم بتبرعات المحسنين ومحبي الخير. كان الحزن على وجهيهما ظاهرًا، ولا يحتاج إلى عناء التفكير؛ ربما فكرا كثيرًا في موقف صديقهما المكلوم، وربما ينتظران الأيام، مع إدراكهما أن الأعمار وشفاء الأبدان بيد الله تعالى.


المستشفى مجهز بأحدث الأجهزة الطبية، والرعاية الصحية فيه ممتازة، ويعد من أكبر وأشهر المستشفيات في إفريقيا والشرق الأوسط. لا نجد مثله في السودان، ولا يمكن أن نجزم متى سنبني مستشفى مماثل هناك. وللأسف، معظم الأطفال في المستشفى هم من السودان.


هذا المرض اللعين لم يكن منتشراً بين الأطفال في السودان خلال القرن العشرين، مما يجعلنا نتساءل عن أسباب انتشاره بينهم بعد أن أصبح شائعًا بين الكبار. حتى عام 2012م، تجاوز عدد المصابين بهذا الداء الفتاك في السودان 20 ألف حالة، والعدد في ازدياد مستمر. أكثر أنواع السرطان انتشارًا هو سرطان الثدي، مما يعني أن الإصابة منتشرة بين النساء بصورة أكبر.


كنت أقطن بوسط البلد في القاهرة، ولاحظت وجود بعض الأسر السودانية التي تستأجر الشقق المفروشة، خاصة في مناطق عابدين والسيدة زينب. جاءت هذه الأسر تاركة كل شيء خلفها من أجل العلاج والدواء لأطفالهم المصابين بالسرطان.


هذه الأسر تتحلى بصبرٍ عظيم على ما أصابها من مصيبة. ورأيت في عيونهم كل معاني الصبر، والتمسك برحمة الله، والأمل، والألم معًا. فهم يدركون أن الشفاء بيد الله تعالى، وحتى في حالة فقدان فلذات أكبادهم، فإن صبرهم الجميل سيجازيهم الله به يومًا ما، إن شاء الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق