في يوم صيفي ساخن بالعاصمة السودانية "الخرطوم"، جلست أمام جهاز الاستقبال الفضائي أتحسس الريموت كونترول بيدي اليمنى وأقلب القنوات تباعًا. كان ذلك في الساعة السادسة من عصر يوم الخميس، الموافق 23 أبريل 2009، بمنزلنا في الحلة الجديدة. من حسن حظي أنني أحب البرامج الوثائقية والأخبارية، وبعض برامج الرياضة والمنوعات، ففي هذا الوقت تكثر البرامج الهادفة.
شرعت في البحث عن برنامج مناسب، إلى أن استوقفتني المناظر الطبيعية الخلابة: أشجار النخيل، النيل، الصحراء، الأرض الخضراء، وبيوت الطين والحجر، يتوسطها مبنى عظيم وعريق لا يقدر بثمن. كان هذا الصرح هو "الدفوفة"، وما أدراك ما هي الدفوفة!
الدهشة لم تكن بسبب الدفوفة فقط، بل بسبب القناة التي بثت الفيلم الوثائقي، وهي القناة الفرنسية الخامسة TV5 Monde، التي تبث برامجها باللغة العربية لسكان الشرق الأوسط. تسمرت في مكاني، ولم أشعر بيدي وأنا أزيد الصوت، فقد غمرتني سعادة لا توصف. حزنت فقط لأنني شاهدت الفيلم في منتصفه.
كان الفيلم باللغة الفرنسية مع ترجمة عربية، تصويره وإخراجه متميزان، وقام البروفيسور السويسري "شارلس بونيه" بشرح كل التفاصيل بدقة. استعرض الفيلم المناظر والبقع الأثرية من الدفوفة الغربية والشرقية، ومنطقة "الدوكي" أو "التل الأحمر".
رأيت عمال الآثار يتحركون ببطء وانتظام، ملتزمين بتوصيات المشرفين، وتخلل الفيلم عرض احتفال للبروفيسور بمناسبة مرور 40 عامًا على أبحاثه في حضارة مملكة كرمة النوبية.
لم يكن المتحف في كرمة قد بُني بعد، فاستعاض الفيلم عن ذلك بصور تقريبية بالحاسوب لمملكة كرمة في أوج عظمتها، وتطرق لملوكها العظام، مثل "تهارقا" و"بعانخي"، وبقية أفراد الأسرة الحاكمة. كل هذا أظهر حضارة كرمة النوبية بأبهى صورها على شاشة التلفزيون الفرنسي، بينما الإعلام السوداني لم يكن يقدم شيئًا ذا قيمة، مكتفياً بالدعايات وبرامج سطحية ومملة.
تخيلوا معي حضارة كرمة النوبية، مثل حضارة الإغريق في اليونان، الرومان في إيطاليا، الفرس في إيران، الفراعنة في مصر، حضارات المايا والإنكا في الأمريكتين، وصين التنين، وكلها حضارات يُدرَّس لها ويُحتفى بها، بينما حضارة كرمة منسية في المناهج السودانية، بل حتى التلفزيون الوطني يخجل من الحديث عنها، كأنها موجودة في دولة بعيدة غريبة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق