يبدو أن أمتنا العظيمة — التي تملك أطول قوائم الفقر وأعلى نسب البطالة وأسوأ مؤشرات الفساد — قد تجاوزت كل مشاكلها المعقدة، ولم يبقَ لها إلا أن تحل معضلة الشهوة! فكل يوم نصحو على فتوى جديدة حول "المرأة"، ونمسي على أخرى تتحدث عن "المرأة"، ونقضي ليلنا ونحن ننتظر فتوى ثالثة… تتعلق بالمرأة أيضًا.
ربما نحن مخطئون، فالواضح أن أمتنا حققت العدالة الاجتماعية، أنهت الفقر والبطالة، تجاوزت الاستبداد والفساد، فاستحقت أن تتفرغ لفتاوى "لباس المرأة" و"صوت المرأة" و"شكل المرأة" و"ظل المرأة". أما مشكلات مثل الاحتلال والجهل والمرض والديون الطاحنة، فهي على ما يبدو أمور تافهة لا تستحق نقاشًا فقهيًا.
يا علماء الأمة، أليس بينكم رجل رشيد؟! أمة تنهار من الداخل والخارج، وأنتم منشغلون بتحديد طول النقاب ودرجة سماكة القماش وعدد خُطى المرأة في الشارع! أمة تُسحق بالديون والبطالة والحروب الأهلية والفساد المستشري، وأنتم مشغولون بالحديث عن "حكم زواج المسيار" و"فتاوى التعدد" وكأننا نعيش في زمن رفاهية لا ينقصه إلا "حل أزمة الشهوة"!
لقد أصبحتم مثل قنوات الطهي في أوقات المجاعات: تتحدثون عن وصفات الرفاه بينما الناس يبحثون عن لقمة تسد جوعهم.
حدثونا عن فساد الأنظمة بدلًا من الحديث عن "آداب النوم"! حدثونا عن نهب الثروات بدلًا من دروسكم المتكررة حول "آداب الجماع"! حدّثونا عن الحريات وحقوق الإنسان بدلًا من إغراقنا في جدل "زواج القاصرات"!
هذه الأمة تحتاج إلى وعي عميق، وعي يعيش في الواقع لا في كهوف الماضي. نحتاج إلى فقهٍ يُواجه فساد الحكام، إلى فتاوى تُعيد كرامة الإنسان قبل أن تتحدث عن ملابسه، إلى خطاب ديني يبني الأمم بدلًا من أن يطارد الغرائز ليل نهار.
أنتم تقولون إن الإسلام دين شامل لكل شؤون الحياة، لكن أين أنتم من شؤون الحياة؟! ماذا قدمتم للأمة عبر جمعياتكم ومؤسساتكم وحركاتكم وميليشياتكم غير مزيد من التشرذم والاقتتال وخدمة الطغاة؟
العلم والفقه أمران عظيمان، لكن ترتيب الأولويات أهم. نحن لا نحتاج إلى فتاوى عن "عدد ركعات الضحى" أكثر من حاجتنا إلى فقهٍ يُعلمنا كيف نواجه الفساد، كيف نواجه الاستبداد، وكيف نبني تعليمًا وصحة واقتصادًا يليق بأمة يفترض أنها "خير أمة أُخرجت للناس".
كفى خطابًا يعالج تفاصيل الجسد ويتجاهل نزيف الروح.
كفى فتاوى تُطارد الشهوة وتترك الحرية تُحتضر.
كفى عيونًا تراقب النساء بينما الأوطان تُنهب على مرأى الجميع.
يا علماء الأمة…
أعيدوا ترتيب الدروس، قبل أن تُمحى الأمة من الوجود بينما أنتم مشغولون بحكم "طول عباءة المرأة"!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق