قبل ذهابه بقليل إلى المسجد القريب من مسكنه في حيه السكني ليخطب بالناس في صلاة الجمعة، ضرب وزجر زوجته الأولى التي صبرت عليه صبر السنين والدهور، وكل ذلك فقط لأنها تأخرت في إعداد وجبة الإفطار التي تحتوي على ما لذ وطاب من الطعام، ولأنها لم تحضر له العطر الغربي الجميل، مع العلم بأنها بلغت من الكبر عتياً ولديها فقدان جزئي في ذاكرتها.
في نفس الوقت، جاره الفقير الذي يقطن على يسار منزله الفخم بالكاد يجد وجبة واحدة أو اثنتين ليسد رمقه، وأحيانًا كثيرة يكتفي ببعض الفتات ليشتري القليل من الدواء لوالدته المصابة بالسكري والروماتيزم، والتي شارفت على السبعين من عمرها وأنهكها المرض والتعب وقلة الحيلة.
بواسطة جهاز التحكم عن بُعد (ريموت كنترول)، تمكن الخطيب من فتح باب سيارته الفارهة التي صنعت في إحدى الدول الغربية، ثم أجرى اتصالًا هاتفيًا بجوال حديث يعمل باللمس، صنع كذلك في إحدى الدول التي تعتنق الكفر، بحسب عقليته المتقدمة والمبهرة. كان ذلك قبل دقائق من بدء الأذان الثاني.
خرج الفقير العفيف إلى الصلاة من منزله، حذاؤه قديم ومتهالك، وجزء من باطن قدميه يلامس الأرض الحارة والحارقة. كعادته، ألقى التحية بابتسامة عابرة للإمام ذو المال والجاه، لكنه لم يلق أي اهتمام من الإمام، رغم سماعه الواضح لتحيته.
في المقابل، خرج ظابط الشرطة من منزله الفخم ليلحق بالصلاة، وألقى تحية الإمام، الذي بادله التحية ودعاه بلطف للصعود إلى عربته الفارهة، المجهزة بأحدث أجهزة التكييف.
المسافة بين منزل الإمام والمسجد أقل من كيلومتر، لكنه لم يحب أن يتمشى مثل جاره العفيف، فكرشه الممتلئ بالدهون جعله كسولاً، مع أنه المسؤول عن هذا التضخم بنفسه.
وصل الفقير إلى المسجد، وأجزاء من جلبابه السفلى متسخة بسبب تصرفات الإمام، بينما تم رفع الأذان الثاني، وساد صمت رهيب أرجاء المسجد الكبير الذي بني بأحدث الطراز وبتكلفة باهظة.
القطعة التي بُني عليها المسجد كانت مخططًا لها في الأساس لتشييد مستشفى من خمس طوابق، والمساحة المتبقية لبناء دار للأيتام وصيدلية كبيرة، لكن أهل الحي فضلوا بناء المسجد الضخم رغم وجود مسجد آخر في الطرف الشرقي وعدد من الزوايا.
صعد الإمام إلى المنبر، أخرج ورقة بيضاء من حجم A4، وألقى التحية على المصلين الذين تجاوزوا الألف. بدأ بتلاوة نصوص دينية وتراثية، وذكر الناس بأهمية الجار، والرفق بالقوارير والنساء، واحترام الطريق، والتواضع، مستشهدًا بلقمان الحكيم. وختم خطبته الأولى بدعوة الناس للجهاد، معتبراً نفسه وفرقة ناجية، ومفتاح الجنات والنيران في جيوبهم.
بين الخطبتين، جاء رئيس لجنة الحي، وجلس بجانب رجل الأعمال الذي بنا المسجد بواسطة أعمال تجارية مشبوهة، بينما جلس الفقير العفيف وسط أصدقائه القدامى.
كرر الإمام خطبته الثانية، مؤكدًا على التعاون والبر والتقوى، وتشجيع الناس على الاكتفاء بزوجة واحدة، رغم أن لديه أربع زوجات ولا يعدل بينهن.
الجار العفيف تفكر في حياته، وتساءل عن العدالة والرحمة، فهو مرتبط بوالدته المحتاجة، بينما الإمام يعيش حياة الترف والبذخ والتناقض بين القول والفعل.
في نهاية الخطبة، وضع الإمام الورقة البيضاء في جيبه، ورفع يديه إلى السماء لمدة عشر دقائق يدعو فيها الله أن يهلك غير المسلمين، ناسياً أن يدعو لهم بالهداية أو أن يحمي المسلمين من مكائد الآخرين.
بعد الصلاة، قرر الرجل العفيف الانتحار للتخلص من حياته، لكنه فشل، إذ كانت والدته المحتاجة بحاجة إليه، فظل يعاني سنوات طويلة في واقع لم يتغير ولم يتبدل. وبعد وفاة والدته، هاجر إلى أحياء ومدن كثيرة، ورغم مروره بالعديد من الفرق، بقي التشابه قائمًا بين الفرقة الناجية وبقية الفرق، حتى مات بحسرة، ودفنه وساهم في تشييعه فقط سائقو الأجرة والخبازون والحفارون.
عدنان عمر (أوسكار)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق