تُسمى الحملات العسكرية التي قادت إلى توسع الدولة الإسلامية "فتوحات"، لكن هذا المصطلح يعكس رؤية المنتصر أكثر مما يصف تجربة الشعوب المهزومة. فقد خرجت الجيوش من الجزيرة العربية وسيطرت على مناطق واسعة من الشام والعراق ومصر وفارس وشمال أفريقيا وغيرها، عبر المعارك والحصارات وإخضاع الدول القائمة. لذلك يمكن النظر إليها تاريخياً كتوسع إمبراطوري عسكري، وليس مجرد رحلة سلمية لنشر العقيدة.
كانت الأراضي التي دخلتها الجيوش الإسلامية تضم حضارات وممالك عريقة، ومراكز علمية وإدارية واقتصادية متقدمة، خصوصاً في البيزنطية وفارس ومصر. لذلك من الخطأ تصوير العرب قبل الإسلام وكأنهم أنشأوا الحضارة التي ظهرت لاحقاً من الصفر. الدولة الإسلامية ورثت مؤسسات وثروات ومعارف الشعوب التي أخضعتها، واستفادت من خبراتها الإدارية والعلمية والثقافية، ثم بنت فوق هذا الإرث حضارة جديدة متعددة الشعوب.
وكانت الغنائم جزءاً منظماً من النظام الحربي، وليست مجرد تجاوزات فردية. فقد شملت الأموال والممتلكات والأسرى، وأصبح توزيعها موضوعاً للأحكام الدينية والفقهية. كما كان الأسر والاسترقاق من نتائج الحروب، واستمر نظام العبودية داخل المجتمعات الإسلامية قروناً طويلة. لذلك فإن وصف الفتوحات بأنها عملية دينية مجردة يتجاهل الجانب الاقتصادي للحرب، حيث كانت الأرض والثروة والأسرى من نتائج الانتصار العسكري.
وهنا يظهر التناقض الأخلاقي الأبرز: فقد شُجّع على تحرير العبيد وحسن معاملتهم، لكن العبودية نفسها لم تُلغَ في التشريع التقليدي. وبذلك جرى تنظيم ملكية البشر بدلاً من تحريمها نهائياً. يمكن اعتبار ذلك إصلاحاً مقارنة ببعض الممارسات القديمة، لكنه لا يساوي إلغاء العبودية. وهذه الحقيقة تجعل من الصعب تقديم النظام التاريخي باعتباره نموذجاً أخلاقياً كاملاً بمعايير حقوق الإنسان الحديثة.
كما أن الدين منح التوسع العسكري شرعية تتجاوز المصالح السياسية العادية. عندما تُوصف الحرب بأنها في سبيل الله، يستطيع المقاتل أن يراها واجباً مقدساً لا مجرد صراع على الأرض والثروة. وهذا لا يعني أن كل مقاتل كان منافقاً أو مدفوعاً بالطمع؛ فقد يكون مؤمناً بصدق. لكن السلطة تستطيع في الوقت نفسه تعبئة هذا الإيمان لخدمة التوسع وبناء الإمبراطورية، فيصبح الاعتراض على الحرب أكثر صعوبة عندما تُقدَّم باعتبارها إرادة دينية.
أما العلوم، فمن المبالغة القول إن المسلمين "سرقوها كلها"، كما أن نسبتها كلها إلى العرب غير صحيح. فقد استفادت الحضارة الإسلامية من التراث اليوناني والفارسي والهندي والمصري والسرياني، وترجمت أعمالاً كثيرة إلى العربية. وفي الوقت نفسه أضاف علماء مسلمون وغير مسلمين إسهامات حقيقية في الطب والرياضيات والفلك والفلسفة وغيرها. لذلك فالإنجاز الحضاري اللاحق كان نتيجة تفاعل حضارات متعددة، وليس اختراعاً عربياً خالصاً ولا مجرد عملية سرقة.
ومن الخطأ أيضاً القول إن كل الشعوب التي دخلها المسلمون أُجبرت على اعتناق الإسلام. فقد استمرت جماعات مسيحية ويهودية وغيرها قروناً تحت الحكم الإسلامي، وكان انتشار الإسلام في مناطق كثيرة تدريجياً. لكن بقاء الأديان الأخرى لا يلغي حقيقة أن السيطرة السياسية نفسها جاءت في كثير من المناطق نتيجة القوة العسكرية، وأن غير المسلمين عاشوا في أنظمة قانونية ومالية مختلفة عن المسلمين. لذلك يجب الفصل بين انتشار الحكم الإسلامي وانتشار الإسلام دينياً.
في النهاية، لا تحتاج الصورة التاريخية إلى تحويل المسلمين إلى أبطال مقدسين ولا إلى "قطاع طرق" بلا أي إنجاز. الحقيقة الأكثر إزعاجاً للطرفين هي أن الدولة الإسلامية كانت إمبراطورية توسعت بالحرب، واستفادت من الغنائم والأسر والاسترقاق، واستخدمت الدين لمنح التوسع شرعية، لكنها في الوقت نفسه أنشأت حضارة حقيقية ساهم فيها عرب وفرس وسريان وأقباط ويونان وأمازيغ وغيرهم. ومن ثم فإن نسب الحضارة كلها إلى العرب أو الإسلام وحدهما لا يقل خطأً عن إنكار إسهامات الحضارة الإسلامية نفسها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق