السبت، 2 سبتمبر 2017

السودان والجامعة العربية: بين الهوية والتاريخ والمصلح

دائمًا ما يتناقش الشعب السوداني حول عضوية السودان في جامعة الدول العربية، وهل مطلوب من السودان أن يتحول إلى دولة عربية بالكامل ويتبنى الثقافة العربية بشكل كامل لمجرد أنه منضوٍ تحت لواء الجامعة؟ على الرغم من أن أغلبية القبائل والإثنيات في السودان ليست عربية، بل هي في الغالب قبائل أفريقية مع وجود بعض العرب وقليل من المجموعات المختلطة، إلا أن العامل المشترك بين الجميع هو اللغة العربية وبعض العادات والثقافة العربية.


لفهم جدلية وجود السودان ضمن هذه الجامعة، لا بد من استعراض دور الجامعة وأهدافها. تأسست جامعة الدول العربية في 22 مارس 1945م، ويبلغ عدد دولها 22 دولة موزعة بين آسيا وأفريقيا، وتتخذ من القاهرة مقرًا لها، عدا فترة انتقالها إلى تونس بين 1979 و1990 قبل العودة إلى القاهرة مجددًا. ينص ميثاق الجامعة على التنسيق بين الدول الأعضاء في الشؤون الاقتصادية، العلاقات التجارية، الاتصالات، الثقافة، الجنسيات، السفر، الصحة والاجتماعيات، كما تشمل اتفاقيات لتسهيل التبادل التجاري، التعريفة الجمركية الموحدة، المؤسسة العربية للإنماء الاقتصادي، الوحدة الاقتصادية، والدفاع العربي المشترك.


هذه الأهداف، رغم أنها لم تُطبق بشكل كامل حتى الآن، تبقى استراتيجية وتنموية ومفيدة لكل الدول الأعضاء، بما فيها السودان، الذي أصبح عضوًا منذ 19 يناير 1956م. الجدلية الأكثر تعقيدًا في السودان تتمثل في الهوية نفسها، حيث يُسأل السودانيون: هل نحن عرب أم أفارقة أم شعوب مختلطة؟ هذه الجدلية، على الرغم من علميًا زوال مفهوم العرق النقي، كثيرًا ما تعيق التفكير العقلاني وتؤخر مصالح الدولة.


إن أي سخرية من بعض العرب بشأن عضوية السودان عابرة وغير مؤثرة، ولا يمكن أن تقدم أو تؤخر مصالح الوطن، لأن عضوية السودان قائمة بالفعل منذ عقود. وللإشارة، أغلب الدول العربية ليست عربية بالمعنى العرقي البحت، فمصر، شمال أفريقيا، دول الشام والعراق كلها شعوب مختلطة تاريخيًا، والعضوية لا تعتمد على العرق بل على اللغة، الثقافة، الدين، الجغرافيا والمصالح المشتركة.


اللغة العربية هي اللغة الرسمية في السودان، وهي الوسيلة المشتركة بين أهل الشمال والجنوب والشرق والغرب للتواصل اليومي، وهذا يثبت كفاية السودان من حيث الانتماء الثقافي العربي، رغم التباين الإثني.


مثلما تسعى تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي رغم عدم كونها أوروبية عرقيًا، فإن عضوية السودان في الجامعة العربية تعتمد على المصالح الاستراتيجية المشتركة وليس على العرق أو الثقافة فقط. إسرائيل مثال آخر، فهي ليست عربية لكنها مرتبطة بالاتحاد الأوروبي رياضيًا وسياسيًا، بينما بعض الدول العربية ليست عرقياً عربية لكنها أعضاء.


عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي أيضًا طبيعية، فهو اتحاد قاري يضم جميع الدول الأفريقية ويهدف إلى التنمية والتكامل، تأسس في 25 مايو 1963 باسم "الوحدة الإفريقية" ثم تحول إلى الاتحاد الأفريقي في 9 يوليو 2002، ومقره أديس أبابا.


بالتالي، الأصوات التي تدعو السودان للانسحاب من الجامعة العربية والاكتفاء بالاتحاد الأفريقي هي أصوات غير واقعية، والتمسك بعضوية الاتحادين معًا يعزز مصالح السودان الوطنية والسياسية والاقتصادية. حتى إمكانية طلب السودان للعضوية في الاتحاد الأوروبي مشروع من الناحية الاستراتيجية، فهي مسألة مصالح وتعاون دولي أكثر من كونها مسألة عرق أو لغة.


في النهاية، عضوية السودان في الجامعة العربية هي مكسب استراتيجي، لا تهدد هويته الأفريقية، بل تعزز موقعه السياسي والاقتصادي والثقافي على المستويين الإقليمي والدولي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق