عنوان المقال ليس قاسيًا أو تخيليًا؛ فالخرطوم تعتبر بالفعل من أسوأ العواصم في العالم، وذلك بالرغم من أنها عرفت المدنية والتحضر منذ بدايات القرن التاسع عشر بعد دخول الأتراك والمصريين إلى السودان وإتخاذها عاصمة في العام 1824م.
أي شخص يمكنه ملاحظة ذلك بنفسه إذا زار الخرطوم ثم انتقل لزيارة عاصمة أخرى مثل أسمرا عاصمة إريتريا القريبة، فسيدرك الفروق الضخمة بينهما.
فالخرطوم عاصمة السودان وحاضرة ولاية الخرطوم، تقع عند نقطة التقاء النيل الأبيض بالنيل الأزرق لتشكلا معًا نهر النيل شمالًا، وهي مركز الحكم في السودان حيث يوجد مقر رئيس الجمهورية والحكومة، ووزارات الدولة، وقيادة القوات المسلحة، والبعثات الدبلوماسية الأجنبية، إضافة لمعظم المؤسسات السياسية. كما تعتبر الخرطوم مركزًا مهمًا لخطوط الطيران العابرة لأفريقيا من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب.
كما تضم المدينة العديد من الجامعات والكليات الحكومية والخاصة، والمؤسسات التعليمية، وفروع الشركات والبنوك الوطنية والأجنبية.
مع ذلك، كل ما ذكر أعلاه يعود لجهود الأتراك والمصريين والإنجليز، أما الواقع الحالي للخرطوم فلا يتوافر فيه أدنى مقومات الحياة المدنية العصرية.
لو هطلت الأمطار نصف ساعة فقط، ستغرق المدينة في مياه راكدة ونتنة، تتحول الشوارع إلى مستنقعات مليئة بالحشرات والقاذورات. كيف لعاصمة كبرى لا توجد بها شبكة صرف صحي متكاملة؟ وكيف لها ألا تمتلك بنية تحتية تضاهي عواصم الجوار، دعك من العواصم العالمية؟
الخدمات الصحية رديئة وبطيئة إن وجدت، والمواصلات غير منتظمة وسيئة للغاية، ولا يوجد مترو في مدينة مكتظة بالسكان. المدارس والجامعات والمراكز الصحية والخدمة المدنية تشبه شخصًا مريضًا بالملاريا.
الخرطوم تعاني من الأتربة الكثيفة، والمساحات الخضراء ضئيلة بالرغم من وقوعها بين ثلاثة أنهار وأراضٍ خصبة كانت زراعية في الماضي القريب، ومنظر الأسواق يندى له الجبين.
مطار الخرطوم يعتبر من أسوأ المطارات في العالم، ولا توجد رقابة حقيقية على أي شيء، والمصيبة أن المسؤولين يعلمون بهذه المشاكل ولا يحركون ساكناً.
الأحياء معظمها غير مخططة، ويقوم السكان بالبناء كما يشاءون، دون مراعاة قوانين التخطيط العمراني. من يملك المال يمكنه فعل أي شيء، حتى وإن كان غير قانوني، دون رادع أو رقابة.
ولا يمكننا أن نفهم مهمة والي الخرطوم أو المعتمد وهو يرى ويدير هذه العاصمة المتخلفة في كل الخدمات: الكهرباء، المياه، الصرف الصحي، المدارس، المستشفيات، المواصلات، المطار، الساحات، الإنارة، الطرق والجسور، الأسواق، الشرطة، وغيرها.
أكبر مشكلة تواجه الخرطوم هي الفساد في الخدمات المدنية والتعليمية والصحية، حيث نجد الشخص الغير مناسب في المكان المناسب، وهذه آفة يجب التخلص منها فورًا، فطالما وجد الفساد، وجد كل شيء بالمقلوب.
حسرتي على الخرطوم كبيرة؛ فهي لا تستحق هذه المصائب، ولا تزال العاصمة تكافح من أجل توفير أبسط مقومات الحياة المدنية لمواطنيها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق