أظهرت نتيجة فحص الحمض النووي الخاص بي أن تركيبتي الجينية تتكون من 74.3% سوداني، و18% مصري، و4.1% شرق أفريقي، و3.6% إثيوبي وإريتري. وأكثر ما لفت انتباهي في هذه النتيجة أنها رسمت صورة متجانسة ومنطقية لجذوري في وادي النيل. فالنسبة السودانية المرتفعة تؤكد بوضوح انتمائي النوبي في شمال السودان، أما النسبة المصرية فلا تبدو غريبة أو استثنائية، بل هي انعكاس طبيعي للتداخل التاريخي والجغرافي والبشري الممتد عبر آلاف السنين بين النوبة ومصر. ولهذا أرى أن النتيجة بمجملها تشير إلى جذور نوبية نيلية راسخة مع امتداد مصري مفهوم ومبرر بحكم التاريخ المشترك للمنطقة.
لقد نشأت في بيئة نوبية محسية في منطقة كرمة التاريخية، وكانت هويتي النوبية جزءًا طبيعيًا من حياتي وثقافتي وذاكرتي الجماعية. ومع ذلك، ظللت أسمع على مدى سنوات طويلة روايات متوارثة تقول إن أصول عائلتنا تعود إلى الجزيرة العربية، وإن أجدادنا هاجروا عبر الحجاز وسيناء ومصر حتى استقروا في شمال السودان واختلطوا بالنوبة. ورغم احترامي لهذه الروايات باعتبارها جزءًا من التراث الشفهي، فإن نتيجة التحليل الجيني لم تُظهر أي مكوّن مرتبط بالمجموعات المرجعية للجزيرة العربية، بل أظهرت ارتباطًا واضحًا ومباشرًا بالسودان ومصر وشمال شرق أفريقيا.
كما أن النتيجة دفعتني للتوقف عند عدد من الروايات الأخرى الشائعة حول أصول سكان شمال السودان. فهناك من يربط النوبة أو سكان المنطقة الشمالية بغرب أفريقيا، بينما لم يظهر في نتيجتي أي مكوّن غرب أفريقي ولو بنسبة ضئيلة. وهناك من يبالغ في الحديث عن أصول تركية أو شركسية أو ألبانية أو مملوكية أو غيرها باعتبارها الأصل الغالب لسكان الشمال، لكن النتيجة التي بين يدي لم تُظهر أي أثر واضح لمثل هذه المكونات، بل أكدت استمرارية جينية مرتبطة بوادي النيل وشمال شرق أفريقيا. وبطبيعة الحال فإن هذا لا ينفي وجود حالات فردية أو عائلات ذات أصول مختلفة، لكنه لا يدعم تعميم تلك الروايات على الجميع.
ما خرجت به من هذه التجربة ليس اكتشاف هوية جديدة، بل تأكيد لهوية أعرفها جيدًا. فقد وجدت في التحليل الجيني انعكاسًا لما تقوله الجغرافيا والتاريخ والثقافة معًا: جذور نوبية واضحة، وارتباطًا وثيقًا بمصر ووادي النيل، واستمرارية سكانية تمتد في المنطقة منذ أزمنة طويلة. واحترامي لجميع الشعوب والهويات لا يتعارض مع اعتزازي بهذه الحقيقة، بل يجعلني أكثر تمسكًا بها. فبالنسبة لي، لم تكن نتيجة الفحص مجرد أرقام ونسب مئوية، بل شهادة إضافية على عمق انتمائي للنوبة وللإرث النيلي الذي شكل تاريخ هذه المنطقة وحضارتها عبر آلاف السنين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق