مع الأسف، تتعرض الممالك النوبية العظيمة في السودان لمعاملة جائرة في مناهجنا المدرسية، بل وحتى في كتب التاريخ الرسمية، مقارنة بممالك وفترات لاحقة أقل تأثيرًا واستمرارية. فالحضارات الإنسانية في السودان، بدءًا من مملكة كرمة (2400 قبل الميلاد) التي دامت أكثر من ألف عام، مرورًا بممالك نبتة ومروي، سوبا، المغرة، علوة، دنقلا وغيرها، يتم تجاهلها أو اختزالها في سطور قليلة جدًا، لا تنصف عظمتها التاريخية ولا حجم تأثيرها الإنساني.
المنطقة النوبية، الممتدة من جنوب مصر إلى أعالي النيل في جنوب السودان، شهدت تبني الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، لكنها لم تحظَ بالشرح الكافي في المناهج التعليمية، بينما تُعطى ممالك لاحقة صفحات واسعة رغم أنها لم تستمر إلا عقودًا قصيرة ولم تضف الكثير للتاريخ السوداني والإنساني، مثل: السلطنة الزرقاء، مملكة سنار، مملكة تقلي، الثورة المهدية، مملكة المسبعات، مملكة الجعليين، سلطنة دارفور، مملكة وداي.
في المقابل، تركز الدول الأخرى على حضاراتها القديمة:
* مصر: تحتفي بـ حضارة الفراعنة باعتبارها إرثًا عالميًا وفخرًا للإنسانية.
* العراق: حيث يبرز حضارة سومر ومملكة بابل والممالك الآشورية ضمن مناهجهم التعليمية.
ولذلك، يمكن للسودان أن يحقق التفوق نفسه أو أكثر، من خلال إعادة الاعتبار للتاريخ النوبي وتركيزه في المناهج الدراسية، بدل الانشغال المبالغ فيه بشخصيات أو أحداث لاحقة مثل الثورة المهدية، التي على الرغم من أهميتها التاريخية، تُعرض بتفاصيل دقيقة أحيانًا إلى حد الهزل، مثل طرق صيد الأسماك الخاصة بالمهدي، بينما يُهمل تاريخ إنساني ضخم وعميق.
أقترح على الجهات المسؤولة في السودان:
- إنشاء كتاب تاريخ منفصل للممالك النوبية يغطي من الصف الرابع الأساسي وحتى الصف الثالث الثانوي.
2- أن لا تقل صفحات الكتاب عن 200 صفحة لضمان تناول كافة جوانب التاريخ النوبي: حضارته، ثقافته، إنجازاته، وتأثيره على السودان والمنطقة.
3- تعزيز وعي الطلاب بتاريخ بلادهم العريق من خلال مناهج تعليمية متعمقة، تُخرجهم من التجاهل والإهمال الذي طال هذه الحضارات العظيمة.
بهذه الطريقة، سيكون لدى الأجيال السودانية فهم عميق لماضي بلادهم، واعتزاز حقيقي بهويتهم الحضارية قبل التركيز على أحداث لاحقة وأقل أثرًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق