يسطر الشعب السوداني المعلم التاريخ للمرة الثالثة، حيث يثور وينتفض في وجه النظام الحالي ورئيسه المشير عمر حسن أحمد البشير، الذي وصل إلى السلطة بطريقة غير شرعية عام 1989م، بعد أن أطاح بالحكومة الشرعية برئاسة الصادق المهدي، وكان المخطط الأساسي للانقلاب هو المفكر الإسلامي الراحل الدكتور حسن الترابي.
أقول "للمرة الثالثة" لأن الشعب السوداني هو صاحب الملكية الفكرية الحقيقية للانتفاضات الشعبية في المنطقة الإفريقية والعربية، فهم صناع الثورات والربيب الحقيقي لها. فقد انتفضوا في عام 1964م وأطاحوا بالديكتاتور الفريق إبراهيم عبود، كما أطاحوا بالمشير محمد جعفر نميري في عام 1985م.
بدأت الثورة الحالية منذ 19 سبتمبر 2018م بمدينة عطبرة في ولاية نهر النيل شمال الخرطوم، حيث خرج الثوار بعد أن طفح الكيل من الظروف المعيشية الصعبة التي بلغت ذروتها، وأصبح من المستحيل على معظم المواطنين تحملها، خصوصاً محدودي الدخل وفاقدي الدخل، الذين يشكلون غالبية الشعب السوداني.
نظام حكم الإخوان المسلمين بقيادة البشير كان من أسوأ نماذج الحكم في التاريخ، إذ أفقر البلاد وقضى على كل المشاريع القومية، رغم أن السودان يمتلك إمكانيات هائلة. الأراضي الزراعية الخصبة تجعل من السودان "سلة غذاء العالم"، إلا أن الفساد وسوء الإدارة حالا دون استغلال هذه الموارد، فأصبحت الدولة تستورد حتى البصل والجرجير.
السودان يمتلك ثروة حيوانية ضخمة، ومخزوناً ضخماً من المياه العذبة، وتنوعاً مناخياً وإقليمياً وقومياً وثقافياً. كما يتمتع بثروات معدنية وبترولية، وشواطئ وموانئ، وثروة سمكية، ومواقع أثرية، وأيدي عاملة كبيرة، كلها موارد يمكن أن تساهم في تنمية البلاد.
ولكن بعد 30 عاماً من حكم البشير وزمرته، أصبح السودان من أفقر دول العالم، ويواجه النظام مساءلة دولية بسبب جرائم الحرب والإبادة في إقليم دارفور. معظم ميزانية الدولة كانت تذهب لتثبيت كراسي السلطة لدى الأجهزة الأمنية والمليشيات التابعة للنظام، بينما المواطن لم يحصل على أي خدمات.
كما فقد السودان ثلث مساحته مع انفصال جنوب السودان عام 2011م، وفقد مثلث حلايب وشلاتين لصالح مصر، ومنطقة الفشقة لصالح إثيوبيا، مع استمرار نزاعات في منطقة أبيي النفطية بين السودان وجنوب السودان. إضافة إلى انتشار النزاعات والإبادات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث قتل وشُرّد أكثر من مليون شخص.
محاولات الثورة السابقة في ديسمبر 2013م تم قمعها بالقوة، واستمر الفساد وانهيار الاقتصاد وهجرة الشباب. النظام الحالي يسيطر على كل مفاصل الدولة، ويستحوذ على الاقتصاد والأجهزة الأمنية، بينما الشعب ضائع بين الفلول والأحزاب المتعددة.
أسباب الثورة الحالية متنوعة: أزمة المواد الأساسية (خبز، وقود، دواء، مرتبات)، انهيار العملة السودانية أمام الدولار، وسوء الخدمات. والسبب الرئيس هو الرغبة في تغيير النظام، محاسبة المفسدين، استرجاع الأموال المهربة، إعادة المشاريع الوطنية، ودعم التعليم والصحة وبناء الإنسان، وإقامة دولة ديمقراطية عادلة تحترم القانون والحريات والتعددية.
الدولة القادمة في السودان تبشر بالخير، بفضل وجود شباب واعٍ وواعي لمستقبل البلاد، وانتهاء زمن الحزب الواحد والسياسات الانقلابية والديناصورية التي اعتاد عليها السودان منذ الاستقلال وحتى الانقلاب العسكري المشؤوم عام 1989م.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق